مدينتي… قلعة الذكريات والظل
بقلم الدكتور السعيد أخي

هذه المدينة…. التي أتنفست هواءها واكلت من ترابها، وعشت بين دروبها ولعبت كل موسم لعبة، مع أترابي ورسمت البطولات في زمن المراهق الشقي، تذكرني الأرصفة وشجر الخروب، وقيدية والغابية وسبع سواگي والمطيع، وملح أرض وجنان دوبا، كل زقاق يشهد مروري. كيف لا وانا الصغير كنت أتأبط محفظتي من عرصة الحاج الطاهر البهية إلى القلعة الراشية، مرورا بالمارشي ودرب لعوينة الخالد والملاح الشامخ، إلى القلعة الراشية الحبيبة.
كيف لا… أنا وجزء من أيامي الصغيرة كنت هناك حاضرا مشاكسا، واحدا عني داخلي وفي ذوات أخرى، كنت أجالس أصدقائي الصغار بجنان الهاشمي، نروي الحكايات والمغامرات، وكنت أجد في دار الزليج مرتعا واسعا لصناعة البطولة… هذه المدينة اتسعت لنا كثيرا وكان حضنها دافئا لم يعرف الملل أو التعب إلينا طريقا في التنقل والترحال، من كدية العسولي إلى جنان غبير أو جنان البلبولي، مرة نتجول ومرة نصطاد الطيور… وعندما نحس بالنشوة نجد أمامنا الگلتة أو المغريب.
هنا لا أحتاج أن أشرح، لأنني ببساطة أكتب عن القلعة، وأكتب لجيل أعرفه ويعرفني. هذه المدينة كم كانت بهية وجميلة! كنت أحبها وأحب من فيها، وكنت لا أرى بديلا عنها، فيها عشت وترعرعت، وفيها تعلمت أن الحب يسكن القلوب، وفيها قرأت الكتب الأولى. أذكر أن أول كتاب قرأته وأنا في مستوى المتوسط الأول كان كتاب النظرات، منه تعلمت رسائل الحب الأولى، ومنه تعلمت كيف أكتب الإنشاء، ومنه بدأت أنظر إلى القصة والرواية وأدمنت على المنفلوطي، حيث منه أسرق العبارة وأدسها وسط عباراتي… هذه مدينتي.
لكنني اليوم أراني ومجموعة من الأصدقاء أصبحنا غرباء عنها وعليها، لا أدري كيف تغيرت، كيف شاخت وتبدلت، امتلأت بالظلال، نعم مجرد الظلال. أنا هنا، شاهداً عليها وعلي وعلى الرفاق، زادت محنتي وسط دروبها. هل كان الفرد منا يجد مقعدا فارغا بدار الشباب أو بدار الثقافة فيما بعد؟ لا أحد يريد أن يعيد للمدينة أمجادها…
لنا ولك الله، أيتها البهية، مدينتي.
متابعة بهيجة بوحافة جريدة الواجهة

الواجهة جريدة الكترونية تجدد على مدار الساعة