الرئيسية » آراء » هيبة الدولة في مهب القرب المفرط: قراءة مؤسساتية في أعطاب المحيط الإداري

هيبة الدولة في مهب القرب المفرط: قراءة مؤسساتية في أعطاب المحيط الإداري

هيبة الدولة في مهب القرب المفرط: قراءة مؤسساتية في أعطاب المحيط الإداري

في هندسة الدولة العميقة، لا يُختبر وزن المسؤول السامي بسطوع اسمه أو اتساع صلاحياته، بل بصلابة المجال الذي يتحرك فيه وبنقاء الدوائر التي تحيط بقراره. فكثيراً ما تتوارى الأعطاب خلف الواجهات، ويُخطئ التقدير حين يُختزل الخلل في قمة الهرم، بينما مصدره الحقيقي محيطٌ ملوث بعقليات تُحسن التمويه أكثر مما تُحسن التدبير، وتنسج حول المسؤول أساطير انتقائية تُوسّع المسافة بينه وبين النسيج العام، وتُعيد تشكيل الواقع وفق مقاسات مصالحها، لا وفق معايير الدولة.

وحين تتحول دوائر القرب من أدوات للإنصات إلى آليات للوصاية، يُفرغ مبدأ الحياد من جوهره، وتُستبدل المسافة المؤسساتية الضرورية بمنطق القرب والبعد، فينقلب التواصل من حق عام إلى امتياز خاص، وتتحول المعلومة من معطى مشترك إلى رأسمال محتكر، ويُختزل القرار في قنوات ضيقة لا تعكس إلا صدى ذاتها. هناك تبدأ الثقة في التآكل، ويتكرس الإقصاء، وتُصاب المقاربة التشاركية في مقتل، لأنها تُدار بروح الإخضاع لا بروح الشراكة.

ويبلغ هذا الاختلال مداه حين يُمارَس القرب المفرط بوصفه شكلاً من أشكال الاندماج المطلق، حيث يُعاد استدعاء فئات كانت إلى زمن قريب على هامش الفعل، لا لإدماجها ضمن منطق مؤسساتي متوازن، بل لتحويلها إلى وسائط نفوذ وحلقات وصال تخترق “البيت الداخلي” للمسؤولية. عندها تذوب الحدود بين المركز والفروع، وتختلط الاختصاصات، ويُعاد رسم القرار من أطرافه الهامشية لا من صلبه القانوني، فتتبدد وحدة الرؤية ويضيع ميزان التقدير.

هذا الوضع لا يُربك فقط آليات العمل، بل يُشوّه زوايا الرؤية ذاتها، إذ يصبح المحيط الإداري مرآة مكسورة تعكس صوراً مبتورة، وتُغذّي المسؤول بمعطيات مُفلترة، تُرضي شبكات القرب وتُقصي الحقيقة. فينقلب التقييم رأساً على عقب، ويُقاس الأداء بما يُقال لا بما يُنجز، وبما يُسوّق لا بما يتحقق، فتُستبدل النجاعة الواقعية بإنجازات على الورق، ويُدفع القرار العمومي إلى مسارات بعيدة عن جوهر المصلحة العامة.

وفي الضفة الأخرى من هذا المشهد المرتبك، تبرز تجربة رجل دولة استثنائي، جسّد بفعل لا بشعار، معنى التوازن الصارم. لم يسمح لأي جهة، مهما علا شأنها أو ادّعت قربها، أن تنفذ إلى خصوصيات الموقع المسؤول، ولم يفتح باب النقاش إلا ضمن الحدود الدقيقة للاختصاصات القانونية. كان يدرك أن السلطة، حين تفقد مسافتها، تفقد معناها، وأن هيبة الدولة لا تُستجدى ولا تُفاوض، بل تُمارَس في صمت وصرامة.

في حضرته، كان الصمت سياسة، وكانت المسافة موقفاً، وكانت القرارات رسائل واضحة لا تحتاج إلى شرح. مواقفه الإدارية والقانونية لم تكن استعراضاً، بل كانت عنواناً لشفافية صارمة أربكت حسابات المنتفعين، وأسقطت أقنعة المرتزقة، ووضعت حداً لأصحاب الإنجازات الوهمية. لقد شكّلت تلك الصرامة سداً منيعاً في وجه اختراق المال العام، وحاجزاً أخلاقياً ومؤسساتياً حال دون تحويل الدولة إلى غنيمة.

إن الرهان الحقيقي على مستقبل السلطة والحكامة لا يكمن في توسيع دوائر القرب، بل في ترسيخ المسافة العادلة، تلك التي تحمي القرار من التلوث، وتُحصّن المسؤول من عُزلة مصطنعة، وتعيد للتواصل معناه المؤسساتي. فالدولة القوية لا تُدار بالأذن القريبة، بل بالبصيرة البعيدة، ولا تُبنى بالاندماج المفرط، بل بالحدود الواضحة، حيث تكون المقاربة التشاركية شراكة واعية لا واجهة، وتكون الحكامة ممارسة صارمة لا شعاراً، وتظل هيبة الدولة فوق كل اعتبار.

بقلم بهيجة بوحافة جريدة الواجهة

شاهد أيضاً

بين الألم والتحدي: رحلة العودة إلى الحياة والقوة بقلم الأستاذ عبد الرزاق القرقوري

بين الألم والتحدي: رحلة العودة إلى الحياة والقوة بقلم الأستاذ عبد الرزاق القرقوري في نونبر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *