الرئيسية » آراء » افتتاحية: إقليم قلعة السراغنة بين رهانات التنمية واختلالات الممارسة السياسية

افتتاحية: إقليم قلعة السراغنة بين رهانات التنمية واختلالات الممارسة السياسية

افتتاحية: إقليم قلعة السراغنة بين رهانات التنمية واختلالات الممارسة السياسية

يشهد إقليم قلعة السراغنة، كغيره من الأقاليم ذات الامتداد القروي والحضري، تحديات تنموية متراكمة ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية ومجالية، تفرض على مختلف الفاعلين العموميين الوقوف عند أسبابها بموضوعية ومسؤولية. غير أن الملاحظ، من زاوية التتبع للشأن العام، هو اتساع الفجوة بين الخطاب السياسي المتداول حول الإصلاح والتنمية، وبين المخرجات الفعلية على مستوى الإقليم، وهو ما يفتح المجال لتساؤلات مشروعة حول نجاعة السياسات العمومية الترابية وآليات تنزيلها.

إن النقاش العمومي حول الحكامة الترابية، وتفعيل القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، يظل عنصرًا أساسياً في أي مسار ديمقراطي سليم. كما أن مساءلة الاختلالات البنيوية، وتأخر معالجة عدد من الملفات ذات الأثر المباشر على عيش الساكنة، تندرج في صميم الدور الدستوري للإعلام والرأي، في احترام تام للضوابط القانونية وأخلاقيات النشر.

وعليه، فإن هذه الافتتاحية تروم الإسهام في نقاش هادئ ومسؤول حول واقع التدبير الترابي بإقليم قلعة السراغنة، من منطلق الحرص على المصلحة العامة، والتنبيه إلى ضرورة الانتقال من منطق الخطاب إلى منطق الفعل، ومن التدبير الظرفي إلى التخطيط الاستراتيجي المستدام.

ان الفاعل السياسي الذي يتظاهر بالالتزام وبقيم ومبادئ معينة من أجل تحقيق مصالح شخصية أو خدمة أجندات ضيقة، مستعينًا بأساليب التضليل وتبرير الفشل، يؤدي إلى تقويض الثقة العامة والإضرار بالمصلحة المشتركة. ويتجلى هذا السلوك في الانتقائية في تطبيق القانون، وفي تكريس ازدواجية المعايير، كما يظهر في التناقض بين الخطاب والممارسة، حين تُرفع شعارات الشفافية بينما تُحجب المعطيات، أو يُنادى بالعدل في الوقت الذي تُمارَس فيه سياسات تمييزية تمس جوهر القيم الأخلاقية والمؤسساتية.

ويأتي هذا النقاش في سياق ما يعرفه إقليم قلعة السراغنة من اختلالات تنموية متراكمة، شملت مجالات متعددة، من بينها الهشاشة الاجتماعية، وضعف البنيات التحتية، والتدهور العمراني والبيئي، سواء في الوسط الحضري أو القروي. وقد ساهمت ممارسات سياسية قائمة على الوصولية والنفاق في تعميق هذه الإشكالات، من خلال تغليب منطق الولاءات على حساب الكفاءة، واستعمال القرب من مراكز القرار كوسيلة للتحصين من المساءلة، في ظل تصاعد تذمر الساكنة من تردي الأوضاع.

وفي هذا السياق، يظل دور السلطة الإقليمية محوريًا في إحداث التحول المنشود، باعتبارها فاعلًا أساسياً في تفعيل السياسات العمومية الترابية، وضمان احترام القانون، وتنسيق تدخلات مختلف المتدخلين. فالسلطة الإقليمية، بما لها من صلاحيات قانونية في مجال المراقبة والتتبع، مطالبة بالانتقال من منطق التدبير الظرفي إلى منطق الحكامة الفعلية، عبر تفعيل آليات الزجر القانوني في مواجهة الخروقات، وفتح الأوراش الإصلاحية الكبرى المرتبطة بتدبير المجال، وحماية الملك العمومي، وضمان شفافية تدبير الموارد العمومية.

كما أن اضطلاعها بدور التحفيز والتوجيه، وتعزيز منسوب التنسيق بين الجماعات الترابية والمصالح اللاممركزة، من شأنه أن يساهم في تصحيح الاختلالات المتراكمة، واستعادة ثقة الساكنة في جدوى الفعل العمومي، بما يجعل من السلطة الإقليمية رافعة حقيقية لتغيير الواقع التنموي بالإقليم.

وفي هذا الإطار، ورغم وجود توجهات عامة تروم تحريك عجلة التنمية وكسر مظاهر الركود بالإقليم، فإن واقع الحال يكشف عن استمرار خروقات يومية، من قبيل احتلال الملك العمومي، وضعف مراقبة جودة المواد الاستهلاكية، وغياب تنظيم فعلي للأسواق والمرافق، بما يمس حقوق المهنيين وسلامة المواطنين، ويحرم الجماعات الترابية من مداخيل مهمة، في ظل مؤشرات تطرح أكثر من علامة استفهام حول التدبير المالي المحلي.

لقد أصبح من الضروري فتح عدد من الملفات الكبرى ذات الطابع البنيوي، وفي مقدمتها الصفقات العمومية، ووضعية مداخيل الجماعات، وانتشار البناء العشوائي الذي تمدد في عدد من الجماعات والمراكز، وحاصر الطرق والممرات، وامتد إلى مداخل بعض الحواضر والمناطق شبه الحضرية، ليتحول في بعض الحالات إلى أمر واقع يهدد السلامة العمرانية والمجالية.

إن هذه الوضعية تتطلب قرارات شجاعة وحازمة، قائمة على التطبيق الصارم للقانون، ووضع حد لاحتلال الفضاءات العمومية واستنزاف الموارد البيئية، دون انتقائية أو تردد. فالفوضى المجالية لا تنعكس فقط على المشهد العمراني، بل تمتد آثارها إلى حركة السير والنقل، وإلى جودة العيش اليومي، حيث أصبحت حوادث السير ومظاهر انعدام السلامة تشكل هاجسًا حقيقيًا لدى الساكنة.

ويجد إقليم قلعة السراغنة نفسه، وهو يتطلع إلى تحقيق تنمية مندمجة ومتوازنة، مثقلًا بإكراهات ناتجة عن غياب رؤية استراتيجية شمولية، وضعف الاستثمار في الرأسمال البشري والبنيات الجامعية والصحية والصناعية. وهو ما ساهم في تفاقم البطالة، واستمرار الهجرة القروية، ودفع عدد من الشباب إلى الهجرة غير النظامية، في ظل محدودية فرص الإدماج الاقتصادي والاجتماعي.

إن إقليم قلعة السراغنة، بما يزخر به من مؤهلات طبيعية وبشرية وتاريخية، لا يحتاج إلى مقاربات ظرفية أو مبادرات معزولة، بل إلى حكامة ترابية رشيدة، تقوم على التخطيط الاستراتيجي، وتفعيل القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإشراك الكفاءات الحقيقية في بلورة القرار العمومي.

فإما أن يُفتح أفق إصلاحي فعلي يعيد الاعتبار للتنمية المستدامة، أو يستمر منطق الانتظارية بما يحمله من كلفة اجتماعية واقتصادية يصعب تداركها.

متابعة بهيجة بوحافة جريدة الواجهة

شاهد أيضاً

الكاميرا الخفية” المخيفة… حين يتحول الترفيه إلى عنف نفسي بقلم: الأستاذ عبد الرحيم الطوسي

“الكاميرا الخفية” المخيفة… حين يتحول الترفيه إلى عنف نفسي بقلم: الأستاذ عبد الرحيم الطوسي لم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *