هيلولة إسحاق كوهين بقلعة السراغنة: طقس ديني أم سياسة إقصائية ممنهجة؟

في تطور مثير للجدل، مرّت هيلولة ضريح الحاخام إسحاق كوهين في قلعة السراغنة هذا العام في ظل تكتم إعلامي لافت وغياب تام للتغطية الصحفية لحدث يحمل رمزية تاريخية ودينية عميقة في علاقة المغرب بالجالية اليهودية، و مناسبة لتسليط الضوء على العلاقات المتنوعة بين المكونات الاجتماعية للمجتمع المغربي.
لكن هذا العام، بدلاً من التغطية المعتادة، فرضت الجهة المشرفة على الحدث سياجًا من السرية حول تفاصيله، مما أثار الاستغراب وجملة من الاستفهامات لدى الإعلاميين والمهتمين المحليين.
التعتيم الإعلامي: دوافع مجهولة؟
هذا التعتيم المفاجئ أثار غضب الإعلام المحلي، الذي اعتاد أن يُتاح له فرصة تغطية مثل هذا الحدث الاستثنائي والتاريخي للمملكة ككل وليس الاقليم فحسب في كل سنة، حيث كان يحظى بتغطية واسعة عبر وسائل الإعلام المحلية، بل إن الدعوات الرسمية كانت تُرسل لجميع المنابر الإعلامية لتوثيق الأحداث المهمة، لكن في ما يتعلق بهيلولة إسحاق كوهين هذه السنة، فوجئ الإعلاميون بمنعهم من تغطية هذا الحدث الهام، ما يطرح العديد من الأسئلة حول دلالة هذه السياسة.
ازدواجية المعايير في التعامل مع الإعلام
إحدى الإشكاليات التي طرحتها هذه الحادثة هي ازدواجية المعايير التي تتعامل بها السلطات الإقليمية مع الإعلام. فمن جهة، تحرص المؤسسة العاملية على مواكبة الصحافة ووسائل الإعلام المحلية جميع اللقاءات والمناسبات الرسمية، وتفتح أبواب الإقامة العاملية لوسائل الإعلام في مناسبات متعددة، ومن جهة أخرى، عمدت إلى سن سياسة الانغلاق والتعتيم بمنع الصحافة من تغطية هيلولة إسحاق كوهين، رغم أن هذا الحدث يُعتبر نقطة مضيئة في تاريخ المملكة المغربية على مستوى التعايش السلمي والتعددية.
ما جعل هذه المعايير المتناقضة تثير تساؤلات حول نية السلطات في تقييد دور الصحافة لتوثيق جزء من تاريخ المغرب، مما يفتح المجال على مصراعيه أمام فرضية أن هذا التعتيم وراءه سياسة إعلامية ممنهجة تهدف إلى التحكم في نوعية المعلومة التي يتم نشرها.
انعكاسات التعتيم على التراث المغربي
تغييب الصحافة ووسائل الإعلام في سابقة من نوعها عن تغطية هذا الحدث التاريخي يثير القلق حول تأثيراته على الذاكرة التاريخية للمغاربة، لإن عدم توثيق مثل هذه اللحظات الفارقة يُسهم في إضعاف الذاكرة الجماعية للشعب المغربي، ويهدد بتقليص فهم الأجيال الجديدة لتراثهم المشترك، في وقت يسعى فيه المغرب إلى تقديم نفسه كرمز للتعايش والتعدد الثقافي، ليأتي هذا التعتيم ويشكك في مصداقية هذا الخطاب خاصة انه بأوامر من ممثل صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وايده على إقليم قلعة السراغنة ما يثير تساؤلات حول جدية حماية الذاكرة المشتركة بين مكونات المجتمع من عدمه.
التساؤلات الجوهرية حول الانتقائية الإعلامية
ما يفرض طرح العديد من التساؤلات المشروعة في هذا السياق أهمها:
- كيف يتناسب تغييب الإعلام عن حدث ذو طابع ديني وتاريخي مع خطاب “الانفتاح” الذي تعتمده السلطات الإقليمية بشكل ملموس في جميع الاجتماعات الموسعة الرسمية والأنشطة والمناسبات ؟
-
لماذا يتم استثناء الإعلام المحلي من توثيق مثل هذه المناسبات، رغم أنه كان يتم تمكين الصحافة من تغطيته في سنوات سابقة مع جميع السادة عمال صاحب الجلالة على إقليم قلعة السراغنة؟
-
هل يُعكس هذا التعتيم تراجعًا في الشفافية، أم أنه مجرد اختيار ممنهج لحجب جوانب من تاريخ المجتمع المغربي أو خلفيات معينة تقتضي الستار الأسود؟
-
من أخبر الفايسبوكي وكيف يُسمح له بمواكبة المراسيم بما ان السلطة الإقليمية لم توجه الدعوة، ولحظة تناول وجبة الغداء ولوازمه تم إخراجه من الحدث بواسطة الأمن بأسلوب لبق؟
وهل يُعتبر ذلك نوعًا من الممارسات الانتقائية ام ان هناك من يسرب برنامج الأنشطة العاملية من الديوان العاملي؟
- ما هي الدوافع الحقيقية وراء منع الصحافة الرسمية من توثيق هذا الحدث الهام؟ وهل نحن أمام سياسة تحدد من يمكنه الوصول إلى المعلومة ام ان هناك اوامر مركزية؟
لماذا يفاجأ الإعلام المحلي للمرة الثانية بهذه السياسة المزدوجة؟ وهل هناك رغبة واضحة في تقييد توثيق هذا الحدث التاريخي؟
هل نعيش مرحلة محو جزء من ذاكرة الوطن؟ وكيف يؤثر هذا التعتيم على حرية الإعلام في متابعة الأحداث التي تمثل جزءًا من تاريخ المغرب المشترك؟
ختامًا: تعزيز الشفافية أم تضييق المعلومة؟
إن هذه التساؤلات تبقى مفتوحة أمام السلطات الاقليمية والإعلامية، في وقت يُفترض أن تُعزز فيه الشفافية وتُفتح أبواب الإعلام لتوثيق الأحداث التي تمثل جزءًا من هوية المغرب المتنوعة.
إن التعتيم الإعلامي على هيلولة إسحاق كوهين يثير الكثير من القلق حول مستقبل التواصل بين الصحافة والسلطات، ويُشكل تحديًا حقيقيًا للمسؤولين في تعزيز حرية الإعلام وحماية الذاكرة التاريخية.
وفي ظل هذه التساؤلات، أصبح لزاما إعادة النظر في السياسات الإعلامية، وتكريس الشفافية التي تضمن حق المواطن في المعلومة وحق الوطن في التعريف بذاكرته المشتركة مع باقي الأديان والشعوب.



متابعة بهيجة بوحافة جريدة الواجهة

الواجهة جريدة الكترونية تجدد على مدار الساعة