الرئيسية » منوعات » حين يُقيم الله رجال النور أمثال الدكتور جواد الشاري في دروب الابتلاء

حين يُقيم الله رجال النور أمثال الدكتور جواد الشاري في دروب الابتلاء

شهادة روحية في مسار صلح كُتِب بالقلب قبل الوثيقة
في لحظات الامتحان الكبرى، حين يشتدّ الألم، وتضيق المسالك، ولا يبقى للروح إلا باب الرجاء، يتدخّل اللطف الإلهي في صمتٍ بليغ، فيُقيم في الطريق رجالًا لا يرفعون أصواتهم، لكن حضورهم يُعيد التوازن للميزان المختلّ، ويُرجِع للمعنى هيبته، وللرحمة سلطانها.

وفي واحدة من تلك اللحظات الثقيلة، حيث كان الوجع لا يزال متربّعًا في أعماق الأستاذة جليلة بنونة، وحيث تشابكت الخيوط، وتعقّدت المقاصد، تجلّى حضور الدكتور جواد الشاري، لا بوصفه فاعلًا عابرًا، بل بوصفه نفَس إصلاح ساقه الله في أوانه، وكأن العناية الإلهية اختارته ليكون واسطة لطف في زمن القسوة.

الدكتور جواد الشاري، المعروف عالميًا بصوته المنشد الذي يفتح أبواب السكينة، لم يكن في هذا المسار صوتًا فقط، بل كان قلبًا حاضرًا، وعقلًا متزنًا، ونيةً صافية، جمع بين الحكمة والهدوء، وبين اللين والحزم، وكان من أولئك الذين يؤمنون أن الإصلاح مقام، وأن الصلح عبادة، وأن جبر الخواطر طريق موصل إلى الله لا يقل شأنًا عن كثرة الأقوال ولا عن علوّ المقامات.

لم يكتفِ بالدعاء من بعيد، ولا بالمواساة اللفظية، بل تحمّل أغلبية مبلغ التعويض ايضاً، متقدّمًا بماله حيث تراجع الكثيرون بخوفهم، مؤمنًا أن المال حين يُبذل لإطفاء نار الفتنة يتحوّل نورًا، وأن العطاء في مواضع الألم صدقة جارية في الأرواح قبل الأجساد، وكان عطاؤه هادئًا، بلا منّة ولا إعلان، كأنما يؤدي فرضًا يعرف قدره عند الله، لا ينتظر عليه جزاءً ولا شكورًا.

وسار في مسار الصلح كما يسير أهل البصيرة؛ صابرًا على التعقيد، متماسكًا أمام التجاذبات، ثابتًا حين تتكسّر المسارات. وكان يعتزم مرافقتي، أنا وجليلة، إلى مدينة المحمدية حيث يقطن والدها، عبر سيارته الخاصة وعلى نفقته الخاصة، بتعاونٍ وثيق مع الدكتور يونس لكريك، قاصدًا وصل ما انقطع، لا هكسب موقف، ولا تسجيل حضور.
كانت نيته أن تُطرق أبواب الصفح من موضعها الصحيح باب الأب، وباب الرضا.

غير أن خيوط الظل، التي كثيرًا ما تتحرّك حين يقترب الخير من الاكتمال، تعمّقت، فتعطّل المسار، وتأخّر ما كان يُرجى أن يولد قبل صدور الحكم. وفي خضمّ هذا الارتباك، كانت بهيجة بوحافة تبذل جهدًا لا يُرى، جهد من أوكل أمره لله، غير أن التسرّع في الخروج لتوضيح بعض الحقائق، بحسن نية، أخرج المسار عن سكّته، فانكسر صلح كان قريبًا، وسبقت الكلمة القضائية الكلمة القلبية.

لكن أهل النور لا يُغلقون أبواب الرجاء بالحكم، ولا يربطون نياتهم بنتائج آنية. فقد صدر الحكم، وبقي الأمل. وظلّ الدكتور جواد الشاري، بنور الله الذي يسكن فؤاده، وبتنسيق حكيم مع الدكتور يونس لكريك، ساعيًا بلا كلل، يطرق الأبواب المغلقة، ويُعيد ترتيب المقاصد، ويُذكّر الجميع أن الصفح لا يُلغي الحق، بل يسمو به، وأن المغفرة مقام لا يُنال إلا بثبات الصادقين.

وكان مستعدًا للتكفّل بمصاريف التنقّل ذهابًا وإيابًا إلى المحمدية، لطلب السماح والصفح والمغفرة والرحمة من أسرة جليلة بنونة، لا طلبًا لإسقاط حكم، بل طلبًا لسلام القلوب، وهو أرفع الأحكام وأبقاها.
وشاء الله، بلطفه الخفي، أن يتمّ الصلح بعد الحكم الابتدائي، لا في فضاءٍ صاخب، بل في مكان رباني داخل الزاوية التيجانية، حيث تهدأ النفوس، وتُوزن الكلمات بميزان القصد، بحضور الدكتور سعيد أخي والدكتور يونس لكريك، الذي كان له، إلى جانب الدكتور جواد الشاري، دور جوهري في تهيئة شروط هذا اللقاء، حتى اكتمل المشهد بما يشبه الختم الروحي للمسار.

ولم يتوقّف عطاؤه عند حدود الوساطة؛ إذ منحني مبلغًا ماليًا مهمًا، كان بالنسبة لي علامة من علامات تسخير الله لعباده الحكماء والخيّرين، ودليلًا على أن النبل لا يُقاس بالكلام، بل بالمواقف التي تُنقذ الأرواح من الانكسار.

ولا يفوتني، في هذا المقام، أن أذكر محاسن الدكتور جواد الشاري كما عرفتها في هذا المسار: هدوء لا يتزعزع، حلم عند الاستفزاز، صدق في النية، كتمان للخير، وبعدٌ عن الاستعراض، وإيمان عميق بأن الإصلاح يُبنى في الخفاء كما تُبنى الجذور في باطن الأرض. رجل إذا حضر حضر الاتزان، وإذا تكلّم تكلّمت الحكمة، وإذا أعطى أعطى بطمأنينة من يعرف أن ما عند الله أبقى.

كما أتوجّه بشكرٍ صادق إلى كل أصدقاء الأستاذة جليلة بنونة من أبناء مدينة قلعة السراغنة، الذين اشتغلوا في صمت، وسعوا في السرّ والعلن، وكانوا وسائط رحمة، أسهموا في تليين القلوب، والدفع في اتجاه السماح والصفح والمغفرة، فكانوا من أهل الإصلاح الذين لا تُخلّدهم العناوين، لكن تذكرهم السماء.

ولا يكتمل هذا المقام دون الوقوف إجلالًا أمام أسرة جليلة بنونة، وعلى رأسها الحاج رحّال، ذلك الرجل الاستثنائي في رحمته، المثقّف بعقله، العميق في إنسانيته، ابن بيئة تشبّعت بالتربية والقيم، فأنجبت قلبًا واسعًا يتّسع للصفح، ونفسًا مطمئنّة اختارت المغفرة على الانتقام، والسموّ على الجراح. لقد جسّدت الأسرة، برفضها تسلّم التعويض، أسمى القيم الدينية والإنسانية، وأعادت للرحمة معناها العملي، لا كشعار، بل كسلوك مُعاش.

وفي ختام هذا المسار، وبفضل دخول الدكتور سعيد أخي بتنسيق حكيم مع الدكتور يونس لكريك، اكتمل الصلح النهائي، بحكم العلاقة القوية التي تربطه بـ الحاج رحّال، فهدأت النفوس، وانجبرت الكسور، وانتصرت الرحمة على الألم.

هكذا علّمتنا هذه التجربة أن الصلح ليس حدثًا عابرًا، بل حالٌ روحي، وأن الله إذا أراد بعباده خيرًا، ساق إليهم رجالًا إذا مرّوا على الجراح شُفيت، وإذا حضروا في الفتن انطفأت.

متابعة بهيجة بوحافة جريدة الواجهة

شاهد أيضاً

وكيل الملك بقلعة السراغنة يعلن التدابير المعتمدة في إطار الحملة الوطنية الثالثة والعشرين ويترأس الاجتماع المحلي لمناهضة العنف ضد النساء

في إطار الالتزام الوطني بمحاربة العنف المبني على النوع، وتنزيلًا للتوجيهات المركزية الرامية إلى حماية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *