«جماعة أولاد الشرقي: مرفق عمومي مهجور وفوضى قانونية.. مسؤولية عامل إقليم قلعة السراغنة في قطع التسيب وتنزيل القانون»

في خرق صارخ لمبدأ استمرارية المرفق العمومي، كما هو مؤطر دستورياً ومكرس في القوانين التنظيمية للجماعات الترابية، وجد مواطن قادم من مدينة الدار البيضاء نفسه صباح يوم الجمعة 2 يناير 2026 أمام أبواب جماعة أولاد الشرقي المقر موصدة بإحكام، دون أي إشعار إداري أو سند قانوني، رغم أن الجماعة تُعد مرفقاً عمومياً ملزماً بتقديم خدماته للمرتفقين داخل أوقات العمل الرسمية.
وتندرج هذه الجماعة ضمن النفوذ الترابي لقيادة أهل الغابة، الأمر الذي يجعل ما وقع ليس مجرد تقصير إداري معزول، بل واقعة ذات أبعاد قانونية ومؤسساتية متعددة المستويات.
المواطن، الذي حلّ بالمقر حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً من أجل استلام عقود ازدياد تخص زوجته، فوجئ بغياب تام لأي مظهر من مظاهر الإدارة: لا حارس، لا نائب للرئيس، ولا موظفين، في مشهد يجسد استخفافاً واضحاً بحقوق المرتفقين، وضرباً لمبدأ المساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية، وتحويلاً للمرفق العام إلى فضاء مغلق يخضع لمنطق المزاج لا لمنطق القانون.
ولا يستقيم من الناحية القانونية تبرير هذا الإغلاق بعطلة فاتح يناير، التي وإن صادفت يوم الخميس، فإنها لا تمنح أي أساس تشريعي أو تنظيمي لتعطيل العمل يوم الجمعة، إذ إن النصوص المؤطرة للوظيفة العمومية والجماعات الترابية لا تجيز منح عطلة إضافية بقرار ذاتي أو جماعي خارج الضوابط القانونية، ولا تسمح بإفراغ المرفق العمومي من محتواه الوظيفي، لما في ذلك من مس مباشر بحقوق المواطنين وثقة المرتفقين في الإدارة.
إن ما حدث يشكل إخلالاً بيناً بمقتضيات القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات، الذي يُحمّل رئيس المجلس الجماعي مسؤولية السهر على حسن سير مصالح الجماعة وضمان انتظام خدماتها واستمراريتها، سواء بحضوره الشخصي أو عبر تفويض قانوني صريح وفعّال. غير أن المعطيات المتداولة تفيد بوجود رئيس الجماعة في إقامة شبه دائمة بالديار الإيطالية حيث تقيم أسرته، في وضع يثير تساؤلات مشروعة حول مدى احترامه لواجبات المنصب، وحول جدية ممارسة مهام الرئاسة، وحول حدود المسؤولية في غياب فعلي وطويل الأمد.
كما يتحمل نواب الرئيس وأعضاء المجلس الجماعي مسؤولية تضامنية في تتبع أداء الإدارة الجماعية، وفق مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، غير أن غياب أي إجراء داخلي أو تفاعل مؤسساتي مع هذا الإغلاق غير القانوني يبرز خللاً بنيوياً في آليات الحكامة المحلية، ويؤكد أن دور المجلس تم اختزاله في التسيير الشكلي بدل الرقابة الفعلية.
أما تغيب الموظفين والحارس بشكل جماعي ودون ترخيص أو نظام مداومة، فيُعد مخالفة صريحة للنظام الأساسي للوظيفة العمومية، ويعكس ترسخ ثقافة الإفلات من المحاسبة وتطبيع السلوك غير القانوني داخل المرافق العمومية.
ولا يمكن عزل ما وقع عن مسؤولية السلطة المحلية بقيادة أهل الغابة، التي يخول لها القانون صلاحيات المراقبة والتتبع وضمان السير العادي للمرافق العمومية داخل نفوذها الترابي، والتدخل الفوري عند تسجيل أي إخلال. كما أن السلطة الإقليمية، بصفتها سلطة وصاية، تبقى ملزمة قانوناً بالسهر على احترام الشرعية الإدارية وتفعيل آليات الزجر عند الاقتضاء.
غير أن هذا الواقع يترجم بوضوح أن الانفتاح والتساهل الذي انتهجته السلطة الإقليمية تم فهمه بشكل خاطئ من طرف المسؤولين المباشرين، حيث جرى تأويله كترخيص ضمني للتراخي بدل اعتباره إطاراً مؤسساتياً يوازيه تشديد في الالتزام بالقانون.
وفي هذا السياق، يبرز دور عامل إقليم قلعة السراغنة كسلطة إدارية تمثل العين الساهرة على تطبيق القوانين التنظيمية والإدارية، حيث يقع على عاتقه ضمان تنزيل النصوص القانونية في جميع الجماعات الترابية ضمن النفوذ الإقليمي، ومساءلة كل من يخالف القانون أو يهمل المرفق العام، مع قطع نهائي مع أسلوب التساهل أو التهاون حينما يتعلق الأمر بأي مخالفة قانونية.
ويُفترض من عامل الإقليم من موقعه كاعلى سلطة بالاقليم التدخل الفوري لإعادة الانضباط للمرفق العمومي، وحماية مصالح المواطنين، وترسيخ ثقافة المساءلة والالتزام القانوني على جميع المستويات، بما يعكس جدية السلطة في حماية المصلحة العامة.
وأمام هذا التسيب المستمر والاستهتار بالمرفق العمومي، لا يمكن إغفال موقف وزارة الداخلية، الجهة الوصية على الجماعات الترابية، والتي تحمل على عاتقها مسؤولية صيانة المصلحة العامة وضمان استمرارية الخدمات الإدارية. فوزارة الداخلية، وفق القوانين التنظيمية الجاري بها العمل، مطالبة بالتدخل الفوري لمعالجة هذه التجاوزات، وتطبيق النصوص القانونية ضد كل من ثبت في حقه الإهمال أو التقصير، وضمان ألا تتحول مرونة السلطة الإقليمية إلى ذريعة لتجاهل مصالح المواطنين أو تعطيل المرفق العمومي.
والأخطر أن هذه الممارسات لم تعد استثناءً، بل تحولت إلى وضع معمم بعدد من الجماعات الترابية، ما يعكس أزمة حقيقية في استيعاب روح القوانين التنظيمية، وانزلاقاً خطيراً من المرونة الإدارية إلى التسيب، ومن التدبير الانفتاحي إلى تعطيل مصالح المواطنين، في تناقض صارخ مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تخليق الحياة العامة، وتجويد الخدمات العمومية، وتقريب الإدارة من المواطن.
وأمام هذا الوضع، لم يجد المواطن القادم من الدار البيضاء، بعد عناء السفر وكلفة الزمن، سوى توثيق المشهد عبر تسجيل فيديو كشف حقيقة المرفق المغلق، وانتشر على نطاق واسع، ليشكل شهادة بصرية دامغة على الاختلال الحاصل، ودليلاً مادياً على الفجوة العميقة بين النص القانوني والممارسة اليومية.
إن ما وقع بجماعة أولاد الشرقي لا يمكن اختزاله في حادث عرضي، بل يُعد واقعة قانونية وإدارية مكتملة الأركان، تستوجب فتح تحقيق جدي وشفاف، وترتيب المسؤوليات وفق التسلسل القانوني، وتفعيل مقتضيات المحاسبة في حق كل من ثبت تقصيره أو إخلاله بواجباته، من أعلى هرم المسؤولية الإدارية إلى أدنى موظف، دون انتقائية أو محاباة.
فحماية المرفق العمومي وصون حقوق المرتفقين لا تتحقق بالشعارات، بل بتطبيق القانون، وترسيخ الصرامة، والتأكيد على أن الانفتاح الإداري لا يمكن أن يكون غطاءً للتسيب أو مبرراً لتعطيل مصالح المواطنين.
وفيديو المواطن القادم من البيضاء الى جماعة أولاد الشرقي تجدونه بموقع الواجهة عبر تطبيق الفايسبوك

متابعة بهيجة بوحافة جريدة الواجهة

الواجهة جريدة الكترونية تجدد على مدار الساعة