تعثر أشغال الطريق الجهوية 206 إختبار للحكامة والمسؤولية القانونية على أرض الواقع

أعاد تعثر أشغال الطريق الجهوية رقم 206، الرابطة بين قلعة السراغنة وابن جرير، إلى الواجهة إشكالات عميقة تتعلق بالحكامة الترابية وتوزيع المسؤوليات القانونية بين مختلف المتدخلين، في ظل تصاعد الاحتجاجات المهنية وتنامي شكاوى مستعملي الطريق من مخاطر تهدد سلامتهم بشكل يومي. فاستمرار الوضع على ما هو عليه، رغم الطابع الحيوي لهذا المحور الطرقي، يثير تساؤلات جدية حول نجاعة آليات التتبع والمراقبة، ومدى احترام الالتزامات التعاقدية والتنظيمية المؤطرة لأشغال البنية التحتية.
لم تعد احتجاجات سائقي سيارات الأجرة بالطريق الجهوية 206 مجرد تعبير ظرفي عن تذمر مهني، بل أضحت مؤشرًا مقلقًا على وضعية بنيوية مختلة، حوّلت هذا المحور الطرقي إلى مسرح دائم للإهمال والتقصير في تدبير الأشغال وتتبعها. فتعثر الإنجاز، وانتشار الحفر، وغياب التدابير الوقائية المؤقتة، تشكل إخلالًا صريحًا بمبادئ السلامة الطرقية، وتهديدًا مباشرًا لسلامة مستعملي الطريق، خاصة في ظل حركة مرورية كثيفة تعرفها هذه الطريق باعتبارها شريانًا حيويًا يربط بين عدد من المناطق.
وقد شهدت الطريق وقفة احتجاجية لأرباب وسائقي سيارات الأجرة الكبيرة، تنديدًا بما وصفوه بالتدهور الخطير الناتج عن تعثر الأشغال، وصعوبة التنقل، وعرقلة حركة السير، فضلًا عن الأضرار المادية المتكررة التي لحقت بمركباتهم، والمخاطر الجسيمة التي تهدد الركاب والسائقين على حد سواء. وطالب المحتجون بتدخل عاجل لتسريع وتيرة الأشغال، وإصلاح المقاطع المتضررة بشكل مؤقت، وفتح تحقيق جدي حول أسباب هذا التعثر.
وفي ترتيب المسؤوليات، يبرز عامل إقليم قلعة السراغنة باعتباره المسؤول الأول عن التنسيق الترابي وتتبع تنزيل السياسات العمومية، وضمان احترام القانون وحماية النظام العام، بما في ذلك السلامة الطرقية. فاستمرار هذا الوضع دون قرارات حازمة وإجراءات استعجالية يطرح تساؤلات حول مدى تفعيل سلطة الإشراف والمراقبة، وقدرة الإدارة الترابية على إلزام باقي المتدخلين بتحمل مسؤولياتهم القانونية كاملة.
وتتحمل مديرية التجهيز والنقل المسؤولية التقنية والقانونية المباشرة، بصفتها الجهة الوصية على إنجاز وصيانة الطرق الجهوية، حيث إن تعثر الأشغال وغياب التشوير الوقائي المؤقت وإهمال معالجة المقاطع المتضررة، يعد إخلالًا واضحًا بدفتر التحملات وبالمعايير المعتمدة في السلامة الطرقية، ما يستوجب المساءلة بشأن المراقبة التقنية وجودة الإنجاز واحترام الآجال التعاقدية.
كما تبرز مسؤولية المقاول نائل الصفقة، الذي يلتزم قانونًا بتنفيذ الأشغال وفق المواصفات التقنية المتفق عليها، وتأمين الورش وحماية مستعملي الطريق طيلة مدة الأشغال. غير أن ما يُسجل ميدانيًا من تأخر في الإنجاز وضعف في تدبير الورش وغياب حلول مؤقتة لتفادي الحفر والمطبات الخطيرة، يضع المقاول في صلب المسؤولية المباشرة، ويستدعي تفعيل بنود الجزاءات وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أما السلطات المحلية، فتتحمل بدورها مسؤولية ميدانية في رصد مكامن الخطر واتخاذ التدابير الاستعجالية كلما تعلق الأمر بسلامة المواطنين، غير أن محدودية تدخلها وغياب قرارات وقائية فعالة ساهم في تفاقم الوضع، وترك الطريق تتحول إلى نقطة سوداء تهدد الأمن الطرقي بالإقليم.
ولا يمكن إعفاء المؤسسات المنتخبة الإقليمية والجماعية من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية، باعتبارها معنية بالترافع عن مصالح الساكنة وممارسة أدوار المراقبة والاقتراح، غير أن ضعف التفاعل مع هذا الملف الحيوي عمّق الإحساس بالاحتقان، وكرس شعور المواطنين بغياب تمثيلية فعالة تدافع عن حقهم في بنية تحتية آمنة.
إن تعثر أشغال الطريق الجهوية 206 لم يعد مجرد إشكال تقني عابر، بل أصبح ملفًا يختبر مدى احترام مبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. ولم يعد مقبولًا الاكتفاء بالتصريحات أو الوعود، بل باتت الضرورة تفرض تدخلًا فوريًا، إصلاحًا استعجاليًا للمقاطع المتضررة، تسريع وتيرة الأشغال، وتفعيل المساءلة القانونية في حق كل المقصرين.
فالطريق الجهوية 206 أضحت مؤشرًا حقيقيًا على مستوى تدبير المرافق العمومية بالإقليم، واختبارًا جديًا لقدرة المؤسسات على حماية الحق الدستوري للمواطن في السلامة والتنقل في شروط تحفظ الكرامة والأمن، بعيدًا عن منطق الإهمال والتقصير.



متابعة بهيجة بوحافة جريدة الواجهة

الواجهة جريدة الكترونية تجدد على مدار الساعة