وقفة تأمل: ” عندما يتعاظم الكذب والتدليس، فاعلم انك في حضرة السياسة.

عبدالرحيم عربة 

كلما تأملنا مليا في ثنايا هذه المقولة، نجد أنها تحمل في طياتها دلالات ومعان تعكس صورة واقعية لمشهدنا السياسي، مما يدفع إلى اليقين، أن ساستنا الذين يقررون في مصيرنا ويتحكمون في تدبير شؤوننا، هم مصدر مآسينا ومنبع معاناتنا وما يصيبنا من بؤس اجتماعي، لكن ما يبعث عن الحيرة والاستغراب، أننا لا نتوانى في الرهان عليهم، رغم وعينا الأكيد أن طموحهم يتعارض مع تطلعاتنا وما نريد، ولا أحد يدري هل هذا السلوك نابع من فرط سذاجتنا وتسامحنا، أم أن متعة التغاضي ونعمة النسيان التي حبانا الله بها، جعلتنا نتجاوز عن أخطائهم رغم تكرار سيئاتهم، حتى أصبحنا لا نعير أي اهتمام للتحقق من أدائهم وتقييم مردودياتهم.

حقا لقد تعودنا على تصديق ساستنا والإيمان بكل ما يقولون وما يفعلون، فحري بنا أن نستحضر ما يصنعون، فمن أجلنا نراهم يعتلون المنابر يخاطبوننا بحماسة تهيج دواخلنا، وهم يسردون سيرتهم الذاتية وما قدموا من تضحيات جسام خدمة للوطن، وللمواطنين، ولطالما ارتجفت قلوبنا، ونحن نتابع مرافعاتهم التي كانت تهتز معها أوداجنا عندما يغضبون، فهم الساهرون على صيانة مكتسباتنا حتى لا تسلب، وحقوقنا حتى لا تهضم، وكي نُرضي غرورهم، نكاد نُجزم بأغلظ الأيمان أنهم يشكلون درعنا الواقي الذي يدْرئُ عنا كل مكروه، فهم من يُدخل علينا الإحساس بالبهجة والسرور حين يرسمون لنا مستقبلا واعدا وغدا مشرقا، بل هم أملنا وطوق نجاتنا ومن ينقدنا من براثن الفقر العوز والتهميش الذي يثقل كواهلنا، وسراجا منيرا يُضيئ لنا الطريق في شدًّة العتمة، أما التفاؤل فلا يكاد يبارحنا، عندما يرسمون لنا عالما قوامه الرخاء والعيش الكريم.

وفي غمرة غبائنا، نصبح أطرافا في صراعاتهم، وننساق وراء متاهاتهم، بل ننصهر في صلب أحداثهم وهم في غيهم يعمهون، يلعبون أدوارا في مسرحيات هزلية، قد تبدو مكشوفة، إلا انها مشوقة وممتعة لا نمل أو نسأم من متابعتها، رغم تكرار مشاهدها، بل نعمد في غالب الأحيان، إلى تبرير كل يبدر منهم دون أن ندرك أننا نحن المذنبون، نتحمل وِزر صمتنا ولا مبالاتنا، بل نتناسى أن أغلب هؤلاء الساسة لا يحملون من همٍّ سوى تقاسُم السلطة، ومراكز النفوذ، والبحث عن المصالح المشتركة وهوامش الربح، حتى انعدم فيهم منسوب الوطنية ومعدلات الإنتماء لوطن، فلا فضل لمعارضة على موالات، سوى تبادل أدوار بهلوانية من إنتاج وإخراج ساستنا الأفذاذ.

إلى هؤلاء الساسة يجدر القول، لقد حان الوقت للتخلص من أنانيتكم، وإعادة ترتيب حساباتكم، واعتماد الصدق في خطابكم، والوفاء بوعودكم، ولا تجعلونا سيناريوهات في مسرحياتكم، ولا تعاقبوننا بتفاهاتكم عندما نصبح مطية لسجالاتكم وتجاذباتكم حتى تكونوا أهلا بثقة الجميع.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

89 requêtes en 0.849 secondes
‪‬‏ google.com, pub-5944362249061261, DIRECT, f08c47fec0942fa0