هجرة أم سجن الأدمغة

كثيرة هي قصص الشباب الذين قادهم طموحهم في بناء حياة أسرية ومهنية ناجحة إلى مواصلة دراستهم العليا خارج أرض الوطن. و لا يعلم حجم المعاناة التي تكبّدوها في غربتهم، والآلام التي تجرعوها إلا أباءهم الذين تحملوا المعاناة المادية و النفسية في سبيل الوصول إلى اللحظة التي ينال فيها  الشاب شهادته، ويتخرج فيها بتفوق. لحظة يهون حينها كل ما مضى، ويدرك فيها الجميع أن الأمر كان يستحق التضحية والصبر.

من هؤلاء الشباب المتخرجين من فضل البقاء حيث درس، إما لتأقلمه مع الحياة بعيدا عن أرض الوطن، وإما اغتناما لفرصة حقيقية للعمل، والبدء في بناء مستقبله. لكن بالمقابل، هناك من ظلوا يحملون الوطن في أعماقهم، وكانوا منذ البداية يعتبرون أن ابتعادهم عن الوطن رحلة مؤقتة للتكوين على أعلى مستوى، والعودة إلى وطنه لإثبات ذاته أولا بين أهله، ولخدمة بلاده المحتاجة إلى كفاءته.

 هؤلاء الشباب ذوو الشواهد العليا الذين تلقوا تعليمهم في فرنسا و كندا وأمريكا وبلدان أخرى، رفضوا عروضا مهنية مغرية، وفرصا لاكتساب جنسية بلد الإقامة، وفضلوا الالتحاق بدفء الأسرة، وبحضن الوطن، معتبرين الرجوع إلى أرض الوطن جزء من رضا الأبوين الذي هو من رضا الله سبحانه وتعالى، شاعرين بأن تمة جميلا على عاتقهم من والديهم وبلدهم، وعليهم أن يردوه. فعادوا، ويا ليت أكثرهم لم يعودوا.

الكثيرون من الذين عادوا تعرضوا إلى صدمات بمجرد وصولهم إلى هذا البلد الأمين، حيث أفاقوا من حلمهم العميق، ولم يجدوا بلادهم تفتح ذراعيها لاحتضانهم، ولم يُشعرهم أحد بأن البلاد في حاجة إليهم كعقول. وبعبارة أوضح، لم يجدوا التقدير الذين يستحقونه. فاختار أغلبهم الهجرة بتذكرة سفر دون رجوع. لكن من كان يناشدهم إلى البقاء في وطنهم أقوى، فضلوا الاستقرار، ومواصلة مشوارهم المهني غير آبيهن بالمناخ الفاسد الذي يقلل من أهميتهم، لكنهم ظلوا يعتقدون بأن العمل الجاد والتحلي بروح الابتكار، والتشبث بالأحلام كفيل بإعادة الأمور إلى نصابها.

إن أفظع كابوس تعيشه هذه الكفاءات هو التعامل مع العقلية المتسلطة لمول شكارة، والذي همه الوحيد هو الاستفادة من تجربتهم الدراسية وتفوقهم العلمي بأقصى طاقة ممكنة دون تمكينهم من ظروف ملائمة تكفي لتحقيق طموحاتهم التي حملوها معهم، وتوازي الجهود التي يبذلونها، والعطاء الذي يقدمونه. لكن مول الشكارة الذي يبدو أنه يحقق طموحاتهم في التقدم والرقي غالبا ما يستغلها لتوريطهم، من خلال استغلال ثقتهم، و الزج بهم أحيانا في ردهات السجون.

أكبر مثال رأيته على ذلك، ما وقع للشاب عثمان الذي يقبع في سجن عكاشة، وذنبه الوحيد أنه وثق في رئيسه صاحب شركة عقارية بعدما منحه صلاحية التوقيع على عقود البيع، حيث ظلّ يكلفه بالبدء في عمليات البيع مقدما له كل الضمانات و الوثائق اللازمة.

مأساة عثمان الذي درس بفرنسا وأمريكا، وحصل على أعلى الديبلومات، أنه رفض عروضا مغرية من شركات أمريكية وكندية و فرنسية، وفضل الخضوع لرغبة والده الذي ألح عليه بالعودة إلى الوطن. نبرة والده المتعطفة كانت أقوى من كل العروض. لبى نداء الأب  ومن خلاله نداء الوطن، فاشتغل كمدير إداري بأحد أشهر الأبناء المغربية، حيث  أبان عثمان عن حنكة مهنية عالية دفعت بالرئيس المدير العام للبنك إلى منحه مسؤولية أخرى. وطيلة عمله بالبنك كان مثالا للاطار النزيه الذي لم تغره الملايين من الدراهم التي كانت تحت تصرفه، ورمزا للأمانة بشهادة الجميع.

هذه الصفات دفعت أحد مالين الشكارة الى التقرب منه مقترحا عليه العمل ضمن مجموعته الاقتصادية واعدا اياه بأجرة شهرية أفضل، وسيارة وامتيازات أخرى. ولأن الطموح حق مشروع، قبل عثمان عرض الرئيس، والتحق بالمجموعة الاقتصادية التي كانت حاضرة في المشهد العقاري بقوة وقتها.

لم يمر على اشتغاله سنة و نصف حتى بدأت فضائح الرئيس تتردد على وسائل الإعلام، ومواقع التواصل الاجتماعي، فضائح ورّطت أنشط إطار في الشركة. لقد منح الرئيس صلاحية التوقيعات على عقود البيع لعثمان، وكان ينجز العقود بناءً على أمر مباشر من رئيسه وبتعليمات منه، بعد اطلاعه على كل الضمانات القانونية التي قدمها (الرئيس للموظف). وفي الأخير، وجد عثمان نفسه  يقبع في سجن عكاشة منذ أكثر من سنة و نصف في انتظار المحاكمة.

عثمان صرخة كل الشباب المتخرجين الذين فضّلوا قطران بلده على عسل البلدان، ووجدوا أنفسهم ضحايا مالين الشكارة الفاسدين. عثمان لم يرتكب أي ذنب سوى ثقته في مشغّله التي قادته إلى السجن، ومازالت لديه ثقة في عدالة بلده كي يخرج منه بريئا.

من المؤكد أن عثمان في وحدته يتعذب، يستعيد أصوات العروض التي تلقاها في كندا وأمريكا ممزوجة بصوت والده. يستعيد صراع صوت العقل وصوت القلب، ويتمنى لو أنه لم يتبع نداء قلبه. كان عليه أن يبقى هناك، حيث لا فساد ولا خيانة ثقة ولا استغفال للشرفاء.

يوما ما سيخرج عثمان من السجن بسلام، لكن أبدا لن يخرج من هذه التجربة المخيفة سالما. سيحمل معه جروحا عميقة لن تندمل بسهولة، وربما عزاؤه الوحيد أن الله يعلم  بأنه بريء، وأن أهله لا يشكون أبدا في نزاهته ونقائه.

وأخيرا، ندائي إلى الآباء الذين يتابع أبناؤهم دراساتهم في الخارج: أرجوكم لا تضغطوا على أبنائكم إن اختاروا ألا يعودوا إلى الوطن بعد التخرج. فهم محقون إذا لم يعودوا.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

89 requêtes en 0.846 secondes
‪‬‏ google.com, pub-5944362249061261, DIRECT, f08c47fec0942fa0