لنرقى بلغة الخطاب

عبدالرحيم عربة

من بين عيوب لهجتنا الدارجة أنها لا تحدد صورا مضبوطة ومفاهيم مدققة، للعديد من الكلمات المتداولة في النقاش اليومي، وحتى على مستوى لغة الإعلام من خلال بعض الأفلام المغربية والمسلسلات المدبلجة…، والتي تتباين في البناء المفرداتي حسب الصفة والاختصاص، رغم أنها قد ترمي لنفس الدلالة وتستعمل في نفس السياق، ومرد هذا التباين، يرجع بالأساس إلى غياب وحدة المحادثة في قاموس العامية المغربية، وهذا ما يفسر الصعوبة التي يعانيها أبناء العديد من المناطق والجهات في فهم واستيعاب بعض المفردات، مما يجعل لغة التواصل مبنية على الحدس والتقدير، فلقب “امرايقي” مثلا يختلف شكلا ومضمونا عن تسمية “احنايكي” أو “كاري حنكو” رغم أن كلاهما يسقط في مطب الغوغائية، التي تندرج ضمن خانة السلوك المنافي للأخلاق، حتى وإن كان كل لقب يتسم بتغيير طفيف في الممارسة وظروف الاستعمال، ف “المرايقي” لا يعتمد على نفسه، إذ يتم تسخيره بتوصية من طرف الطامعين، حصريا، في الاقتصار على ذكر مزاياهم، أملا في التفوق والريادة وإن كانت بلا استحقاق، كما يلزمه الإسهاب في الحديث عن سيئات الآخرين، وهنا يلعب “لمرايقي” دور المآزر الذي يدافع بالتفويض عن غيره، قد يبلغ حد المشادات الكلامية والسجال الشرس، ويتحمل كل هذا، مقابل ريع نقدي أو عيني، وأحيانا، وعد مشروط حسب النتائج المتوخاة، مما يجعله دائما يطمح إلى التمسك المستميت برأيه، وتكريس قناعاته وفق التوجيه، بحيث يعمد إلى ترويج أخبار المدح والجهر بتبجيل من يحابيهم، والقدح والتسفيه اتجاه من يعاديهم، دون التفكير في جدية أو زيف المعلومات التي يُدلي بها، وغالبا ما يستعمل في هذه المواقف، خطابا مُغريا ومُؤثرا، لدغدغة مشاعر كل من حوله، ونهج لغة الحياد، ولباقة في الحكي مع حرصه الشديد على سرد الوقائع بالتواثر، وسن الوعود عند الضرورة، حتى يتسنى له استدراج متعاطفين وجعلهم يشاطرونه أرائه، وهو لا يستسلم أو يستبعد إمكانية إقناع الجميع بمحتوى المواضيع التي يطرحها، حيث يعتمد على ترتيب أفكاره، مسبقا، بأسلوب لا يخلو من عنصر التشويق والإثارة، كي يولد الرغبة في الاستماع إليه، دون الشعور بالكلل والملل، بل، أحيانا، ينجح في جعل الملتفين من حوله، أطرافا مُمتثلين ومُنساقين وراء كل ما يقول، خاصة، عندما يلجأ الى الترغيب والترهيب، دون أن يغفل عن ذكر حسنات أولياء نعمته، كما يحتفظ بحق توجيه النقد اللاذع، لكل من يعترض على أفكاره، تبلغ حد الكيد والضغينة.

أما “احنايكي” أو “كاري حنكو”، فهو شخص مندفع ومستهتر، ثرثار يستمتع بكثرة الكلام دون تفكير ولا روية، يحشر أنفه فيما لا يعني ولا يفيد، عندما يقوم بالدعاية المجانية للترويج بعض الأخبار، ويؤكد على صحتها، حتى وإن كانت فاقدة للصواب أو نسجت من وحي الخيال، ولايستحيي من تكرار الأحداث دون التركيز على أهميتها أو تفاهتها، يمني نفسه أنه يملك الحقيقة، وأنه على دراية بكل المواضيع، بطل في كل المواقف، ميال إلى جدب الإنتباه، حالم بأن يكون طرفا متميزا في الحوار، فهو يستمد قوته من اهتمام المتتبعين، ساخر ممن يعارضه، لجوج يحب الإطناب والقفز على المصطلحات الكبيرة وتأويلها حسب الرغبة والمزاج، شديد الانفعال إذ لايتردد في الدفاع عن السابحين في فلكه، وإبغاض المحلقين خارج السرب.

 

وهناك “البزناس” الذي يتمتع بصفتين متباعدتين حيث تطلق كل واحدة منهما حسب ظروف وملابسات الحدث، فتارة صاحب صفقات مشبوهة وكسب غير مشروع كالمتاجر في المخدرات…، وطورا هو الذي يعمد إلى الابتزاز كي يتلقى الإيتاوات والرشاوي مقابل خدمة أو وساطة قد تندرج ضمن اختصاصه ومجال تدخله.

ولنا في لهجتنا الدارجة، كلمات متعددة، قد لانلفت الاهتمام إلى ظروف استعمالها، كالفرق بين “بركاك” و “حنزاز”، ف”البركاك” له صفات متعددة، منها الواشي والمخبر والمرشد، وهو من يحمل أخبارا بنية التبليغ، ولكي يحصل على مبتغاه، يبذل كل مجهوذاته في التحري عن المعنيين الدين يتيرون الاهتمام، قصد معرفة أسرارهم بل حتى مايظهرون وما يبطنون، وعادة ما يكون مسيرا بتعليمات، مما يجعله لايؤدي هذه الخدمة طواعية، بل أملا في كسب الرضى والتقرب من الجهة التي تجنده، وحتى يجد متجاوبين مع قداسته المصنوعة، يجب أن يكون أهلا للثقة، يحدد معلوماته حسب الاختصاص، وغالبا ما نجده يتلصص ويصطاد أخطاء وهفوات الآخرين، كما يتمتع بقوة الاصغاء وتتبع كل ما يروج من حوله، دون أن يلفت الاهتمام، قليل الحديث، قوي الفطنة، يعتمد على الحيطة والحذر، وغالبا ما يظهر حياده ولا مبالاته بمجريات الأحداث.

“حنزاز” هو شاهد عيان مع سبق الإصرار والترصد، يقوم بهذه الخدمة إما خلسة أوعلانية، قصد إشباع فضوله، وهو يتمتع بشدة الإمعان وحدة في النظر، وغالبا يرى ما لا يراه الآخرون، كما يتميز بقوة الذاكرة، يهتم بصغائر الأشياء وجزئياتها، يؤمن بمنطق الصدفة، ويعمد إلى تبرير موقفه كما يجيد التملص عندما يضبط متلبسا في قلب الحدث، وذلك لشدة حنكته وتجربته.

“الحضاي” هو ممارس لرقابة غير مشروعة مع سابق تصور وتصميم، وهو متتبع تلقائي لخطوات غيره، و”الحضية” عنده، تبدأ بنية الشك من أجل الوصول إلى اليقين، لكونها تقتضي التقصي والتربص لمعرفة الخبايا والأسرار، كما تستوجب الوضع تحت المجهر، ولا يسلم من عيون “الحضاي” حتى الغرباء، والمفلسين أو من أوتي نعمة من بعد فقر وعوز.
“شفار” كلمة مستقاة من اللغة العربية، وتعني صانع شفرات حادة وسكاكين، في تناقض صارخ مع المعنى المتداول في لهجتنا، حيث تطلق هذه الكلمة على اللص الذي يستعمل السلاح الأبيض، ليعترض سبيل الناس كي يسلبهم ما بحوزتهم تحت طائلة التهديد وقوة الإكراه.

“اشلاهبي” ومرادفها في اللغة العربية هو كل محتال ونصاب يعمد إلى الاستيلاء على ما يملك غيره، عن طريق التحايل والتدليس، كما يجوز أن تطلق هذه الصفة على كل مستخف ومتقلب لا يلتزم بوعوده.

“عياقة” كلمة تستعمل بوجهين متناقضين حسب السياق، إذ يمكنها أن تكون من قبيل المدح الإيجابي، وتعني دكاء وفطنة فوق العادة، والعايق تقال على النبيه الذي يدرك الخطا قبل السقوط فيه، كما يمكن استعمالها من قبيل الدَّم والهجاء عندما يتعلق الأمر بمعجب بنفسه، الذي يمارس سلوكا مرفوضا، أو تجاوزا خارجا عن المألوف.

ولا يمكن الاقتصار على الجوانب السلبية في لهجتنا الدارجة، بل هناك مصطلحات متعددة تستعمل في الشق الإيجابي والمستحب، كقول كلمة “زاز” و”قرطاسة” و”فريكس”… وهي كلمات تستعمل في كل شيئ جميل يسر ويثير الناظرين، لكن تداولها يبقى مقرونا حسب السياق لوجود اختلاف في فهم مدلولها ومغزاها من منطقة لأخرى.

ولا تخل دارجتنا، أيضا، من كلمات تستعمل بغرض المستملحات والسخرية، ككلمة “اجْروندي” و”اقْرُفي” التي تستعمل ضمن النكتة المغربية من قبيل الترفيه…

على الرغم من اختلاف مفاهيم لهجتنا الدارجة، وصعوبة حصرها وضبط كلماتها، فهي تبقى مفتوحة على احتمالات التجديد والابتكار، فالمصطلخات التي تدخل حيز التداول في خطابنا اليومي، حتى وإن كانت على علتها وتباين معناها، الذي يتأثر، جليا، بتعاقب الأجيال حسب المناطق والجهات، فحري بنا ان نعتز بها كموروث يضمن استمرارية لغة التواصل فيما بيننا، مما يلزمنا بظرورة الحفاظ على سُموها والرُّقي بها إلى مصاف باقي لهجات العالم.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

89 requêtes en 1.047 secondes
‪‬‏ google.com, pub-5944362249061261, DIRECT, f08c47fec0942fa0