قراءة في حوارات برنامج “المرشح في الواجهة”

 

بقلم: ابراهيم حريري

مواكبة للحملة الانتخابية لثامن شتنبر 2021، قامت قناة “الواجهة” بتوضيب برنامج حواري استقبلت خلاله مجموعة من الفاعلين السياسيين، من رؤساء لوائح الأحزاب المشاركة أو من ينوب عنهم، كما استقبلت أيضا مجموعة من الفاعلين المدنيين، للحديث عن الحملة الانتخابية وبرامج الأحزاب المشاركة في هذه الاستحقاقات.

وقد قام بإعداد وتنشيط هذا البرنامج الأستاذ العربي الزاهيدي المعروف بتجربته في ميدان العمل الجمعوي، واهتمامه بقضايا الشأن المحلي، وتحديدا على مستوى منطقة سيدي مومن.

وتمحورت مجمل الأسئلة حول برامج الأحزاب في أفق تعهداتها أمام الناخبين المفترضين وعموم ساكنة المنطقة، كما أثير خلال هذه اللقاءات، موضوع الديموقراطية التشاركية وتفعيل دور النساء في المشاركة السياسية، ناهيك عن ملاحظات المستجوبين حول سير الحملات الانتخابية.
هذه المحاور شكلت العصب الذي تدور حوله أغلب اللقاءات الحوارية التي شهدها بلاتو الجريدة.

مقدمة.

إن الفكرة الأساسية التي يمكن الخروج بها من خلال الاستماع لمختلف آراء المتدخلين، هي وضوح فكرة البرنامج في ذهن المنشط، مما أعطى قوة للبرنامج، وسطر مسار تدخل الضيوف المتعددي المشارب والتوجهات، كما أن الاهتمام بالشأن المحلي حظي بالنصيب الأوفر، مما أضفى خاصية مميزة للبرنامج، هذا بالإضافة إلى دور المنشط الذي تجلى في انفتاحه على محيط سيدي مومن، من خلال استقباله لضيوف يشكلون الجوار المباشر والتفاعلي مع عموم ساكنة المنطقة بسيدي مومن.

أما فيما يخص النقط والملاحظات العامة التي يمكن استنتاجها، من خلال الاستماع لمجموعة من المتدخلين، فنجملها في النقط التالية:

1- نقطة البرنامج.

شكلت برامج الحملات الانتخابية، وطرق تدبيرها وكدا التداول في بعض الإكراهات التي يعاني منها الشأن المحلي بسيدي مومن، الحجر الأساس في البرنامج، سواء على مستوى الحيز الزمني المخصص لها في كل اللقاءات، وكذا على مستوى النقاش المفتوح، وهكذا استحوذت هذه النقطة على نصيب الأسد من التوقيت المخصص لكل المتدخلين.
وفيما يلي هذه هي مجمل ملاحظاتنا في هذه النقطة:

*تركيز أغلبية المتدخلين على الدور الفردي، أي شخصنة أسباب المشاركة والترشح، مما يؤكد هيمنة دور الفرد وغياب دور الحزب، ويبدو هذا واضحا من خلال تكرار جملة “الناس طلبوني وأنا ألبي طلبهم”.
*غياب التأطير السياسي، ويتجلى هذا في الحديث عن الترحال الحزبي والتلوين بألوان المرحلة، دون ذكر الأسباب، وقد تمت ملامسة هذا الخطاب من خلال ردود بعض المتدخلين بكل أريحية ودون حرج ( كنت في الحزب 1 ثم انتقلت وخضت تجربة مع الحزب 2 وبعد ذلك عدت للحزب 1 يشرح أحد وكلاء اللوائح).
*غياب النظرة البانورامية عن المنطقة (سيدي مومن ككل) والتركيز على الحي وعلى الزنقة و…
*ضعف التجربة السياسية لبعض المرشحين التي تظل ظاهرة طيلة التدخلات وعلى مستوى الردود.
*غياب النظرة المستقبلية للمنطقة والتركيز على الجزئيات في الحي ما عدا التجربة التي وردت على لسان أحد المرشحين والتي كانت واضحة تماما.
*غلبة فهم التسيير اليومي للمقاطعة من خلال التركيز على بعض المشاكل القطاعية، ومشاكل الأحياء، وتغييب الفكر التدبيري المستشرف للمستقبل.
*محاولة لعب دور المنصت للمراطن، وقد تبين هذا من خلال مداخلات الجميع دون استثناء، وهذا الأمر قد يكون إيجابيا لو تمت الإشارة إليه كنوع من المقاربة التشاركية تشمل كافة المكونات بمنطقة سيدي مومن، وليس إعادة نفس الخطاب الذي يروج له بعض المواطنين دون تشخيص مدقق لتحديد الحاجيات الملحة للمنطقة.
*هناك تنميطية مجحفة لكلمة مواطن على لسان الضيوف، ولم يتم مثلا الحديث عن الإنصات لجمعيات المجتمع المدني والحقوقي، وجمعيات التجار، والحرفيين المحليين، أو الصناعيين وغيرهم (للإشارة فالانتخابات المهنية سبقت الانتخابات الجماعية والتشريعية).
*غياب التجربة لدى بعض الفاعلين السياسيين، خاصة من الأحزاب الصغرى، ويتبين هذا من خلال القفز على بعض البرامج بشعارات كبيرة، يتم تبنيها كالتزام وتوظيفها بنية استمالة أصوات الناخبين، دون الخوض في كيفية تنزيلها وأجرأتها.
*غياب مفهوم التنمية لدى كثير من المتدخلين وحصر مجال تدخلهم على المقاطعة (في حالة الفوز) أو في تسيير ما هو قائم.

ومن خلال ماسبق، يبدو جليا غياب مفهوم التعاقد، الذي ظل المنشط يركز عليه، حتى وإن ذكر في بعض الحالات، فإن الإشارة إليه غالبا ما تكون مبهمة وغير ملزمة.

2- على مستوى سير الحملة.

من خلال مجمل لقاءات “المرشح في الواجهة” التي أدرجتها قناة “الواجهة” يتبين وجود فرق واضح وجلي بين الفاعل السياسي والفاعل المدني من جهة، وبين الفاعلين السياسيين المنتمين للأحزاب الكبرى والآخرين المنتمين للأحزاب الصغرى من جهة ثانية، ويمكن أن نجمل هذه الخلاصات في النقط التالية:

بالنسبة للأحزاب الكبرى:
*الحملة في مجملها سليمة وخالية من كل الشوائب، وهذا العرس ديموقراطي يحظى بالمشاركة والتفاعل الإيجابي من لذن العديد من المواطنين.
*العمل على توجيه أصابع الاتهام لبعض الخصوم وتبرئة الحزب الذي ينتمي إليه كل متدخل، كقول بعضهم “هناك بعض الخصوم يلجؤون لأساليب غير نظيفة وهذا ليس حال حزبنا”
*البعض لا يلتزم بالتدابير والإجراءات الاحترازية الخاصة بالحملة الانتخابية في زمن كورونا.
بالنسبة للأحزاب الصغرى والفاعلين المدنيين:
*هناك استعمال مكثف للمال السياسي، وانتشار الوسائل الغير المشروعة وبيع الذمم من أجل استمالة أصوات الناخبين وهذا ما يفسد مبدأ التنافس الشريف في الحملة الانتخابية.
ملاحظة أخرى، هو تغييب اللجوء إلى القضاء أو على الأقل إعلام القضاء بالحالات المعنية، مما يجعلنا أمام التستر على الظاهرة، إن وجدت، أو فقط يتم استعمال هذا الخطاب كشعار من أجل مكاسب أخرى.

3- حضور ومشاركة المرأة.

القناة لم تستقبل نساء كثيرات (أغلبية المشاركين رجال) رغم تواصل منشط البرنامج مع كافة الهيئات المرشحة، دون تحديد نوع المشارك، وهكذا ضاع رأي المراة في قضايا الشأن المحلي المطروحة في البرنامج.

وعموما فقد عبر ضيوف البرنامج على مجموعة من الآراء حول المرأة ومشاركتها في الحملة الانتخابية ويمكن أن نجمل الآراء الواردة على ألسنة الضيوف في النقط التالية:
*تفهم جميع المتدخلين سواء من أحزاب كبرى وصغرى وفاعلين مدنيين لمطلب المساواة، ولكنهم لا ينظرون لراهنيته الآن، رغم أنهم يتفقون على أن القانون الحالي الذي يعطي الثلث للنساء يشكل لبنة مهمة حول مشاركة المرأة في الحياة السياسية، لكن أحدهم عاد بموضوع المرأة، لبداية التسعينيات ليبرر عدم وجود مناصفة في لائحته.
*الترحيب بمشاركة المرأة في تسيير المقاطعة مع تغييب فكرة رئاستها، أو إسناد مهام المسؤولية إليها.
*بعض الإجراءات الدستورية تبقى غير مفهومة لمجمل المتدخلين من نشطاء سياسيين ومدنيين على حد سواء، خاصة، فيما يتعلق بموضوع الميزانية المستجيبة للنوع والنهوض بالمشاريع التي تستهدف النساء على المستوى المحلي.

وكخلاصة في هذه النقطة بالذات، يمكننا أن نقول أن مسألة مشاركة المرأة في الانتخابات مع ما يحتمله ذلك من مشاركة في التدبير والتسيير على المستوى المحلي، لم يعد يشكل عائقا، وهذا التطور الملموس في العقليات يستحق الإشادة والتنويه.

4- الديمقراطية التشاركية.

في هذه النقطة ركز منشط البرنامج على آليات المشاركة في الديموقراطية التشاركية، حسب منطوق دستور 2011 وكذا القوانين ذات الصلة، لكن دون ذكر آليات جديدة وخاصة ما تتيحه اليوم التكنولوجيا ووسائط التواصل الاجتماعي، وهذه التجارب أصبحت رائدة في الديموقراطية التشاركية، إذ حققت نجاحا متزايدا ومضطردا، خاصة، في فرنسا وعلى المستوى المحلي تحديدا.

وبالعودة للبرنامج فيما يخص الديموقراطية التشاركية، فنوجز مجمل الآراء المعبر عنها من طرف الضيوف فيما يلي:
*تخوف الأحزاب الكبرى من الديموقراطية التشاركية، وتفضل الاشتغال مع جمعيات تابعة للحزب (مجموعة من الجمعيات التابعة لحزبنا..) يوضح أحد وكلاء اللوائح الذي حل ضيفا.
*الفاعلون المدنيون أكثر حماسا لتفعيل الديموقراطية التشاركية وهذا أمر مفهوم لكن تبقى مجرد شعارات موقوفة التنفيذ.
*الأحزاب الصغرى لها نفس منطق الأحزاب الكبرى وتفضل الجمعيات التي تدور في فلكها (سنشتغل مع الجمعيات الجادة وهي قليلة في المنطقة) يقول ممثل إحدى الأحزاب الصغرى، وهذا من بين ما يعتبر تصنيفا حصريا ووصفا مهلهلا يفضي إلى العمل مع الجمعيات التي تؤمن بأفكار وبرامج بعض الأحزاب دون سواها.

وكاستنتاج عام، نستطيع أن نقول أن الديموقراطية التشاركية لا تزال بعيدة المنال، وستكون هناك صعوبة في تنزيل مقتضيات القوانين ذات الصلة في المدى المنظور.

خاتمة

أظن أن برنامج “المرشح في الواجهة” الذي قدمته قناة “الواجهة” شكل تمرينا ديموقراطيا محليا، وأعطى تصورات مختلفة عن الأحزاب، سواء ما تم تدبيجه في المسودات، أو ما رشح من أفواه الضيوف.

وفي الأخير، أحيي بحرارة طاقم الجريدة ومنشط البرنامج، على مجهوداتهم المشكورة وأتمنى أن يعيد ممثلو الأحزاب الإنصات لأنفسهم من أجل الرقي بالخطاب السياسي، وبآليات التواصل الجماهيري وأيضا إعادة التفكير في مجمل القضايا المتصلة بالبرنامج وغيره.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

88 requêtes en 0.869 secondes
‪‬‏ google.com, pub-5944362249061261, DIRECT, f08c47fec0942fa0