المجتمع المدني ودوره حسب النموذج التنموي الجديد

ابراهيم حريري

لقد أفرد التقرير الخاص بالنموذج التنموي الجديد بالمغرب مساحة هامة للمجتمع المدني واعتبره، في أكثر من مناسبة، إحدى رافعات التنمية الشاملة لكل فئات المجتمع ولكل جهات المملكة، ويعتبر هذا الدور، الذي أولاه النموذج التنموي المغربي للشركاء المدنيين خاصة وللقطاع الثالث عموما، تثمينا لروح دستور المملكة الذي كان سباقا للإيمان بالأدوار الممكن أن يلعبها المجتمع المدني في تأسيس الديموقراطية التشاركية باعتبارها المكمل الرئيسي للديموقراطية التمثيلية.
وسنحاول الوقوف على تصورات النموذج التنموي للمجتمع المدني من خلال ثلاثة نقط رئيسية وهي:

I- دور المجتمع المدني في التنمية حسب تقرير النموذج

II- كيفية تأهيل المجتمع المدني ليلعب الأدوار الاقتصادية المأمولة

III- نماذج دولية ووطنية للاستئناس

إن المطلوب اليوم هو تعميم النقاش حول الأفكار والمناهج والصيغ التي جاء بها المشروع من أجل فهمها ووضعها حيز التنفيذ بكل جرأة وإيمان.

I- دور المجتمع المدني في التنمية حسب تقرير النموذج

يقترح التقرير النهائي للنموذج التنموي في الفقرة الأخيرة منه، ومن أجل ترسيخ ” النموذج التنموي الجديد كمرجعية مشتركة للفاعلين، وحث جميع القوى الحية على إنجازه، تقترح اللجنة (اللجنة الملكية المكلفة بإنجاز المشروع) ترجمته في صيغة ميثاق وطني من أجل التنمية”

ثم تضيف الديباجة ” ويمكن للميثاق أن يمثل الآلية الكفيلة بتجديد علاقة الدولة مع الفاعلين في مجال التنمية (قطاع عام وقطاع خاص والقطاع الثالث).

بعد ذلك يقدم لنا المشروع تعاريف متعددة لمعنى القطاع الثالث، ونود هنا أن نشير أن معنى القطاع الثالث لا علاقة له بالمعنى الدلالي للقطاع الثالث بالمعنى الاقتصادي القديم أي قطاع التجارة والخدمات.

القطاع الثالث حسب النموذج التنموي هو القطاع الذي يعني ” كافة الفاعلين عند التقاطع بين القطاعين العام والخاص”
وطيلة هذه الورقة سنعود دوما للقطاع الثالث ونقدم تفاسير أخرى أكثر وضوحا.

هكذا يضيف التقرير في الصفحة 63 تعريفا أكثر وضوحا ويقول ” …والذي يشمل جميع الفاعلين المتواجدين بين القطاع العام والقطاع الخاص، والمتألف من المجموعات الترابية والفاعلين المحليين ذوي التمثيلية والمؤسسات ذات المنفعة العامة، أو التي لا تسعى إلى الربح، والفاعلين في مجال الاقتصاد الاجتماعي والمقاولات ذات البعد المحلي…”
ويختتم التقرير هذه الفقرة باستنتاج غاية في الأهمية بالنسبة لموضوعنا المتمحور حول المجتمع المدني ويقول دائما في ص 63 ” وينبغي تأسيس النواة الصلبة لهذا القطاع الثالث حول مجتمع مدني من الجيل الجديد”.

إن المجتمع المدني الشريك المقصود هنا والشريك في التنمية، مجتمع يمتلك الأدوات الأساسية لينخرط في التنمية، وتجدر الإشارة أن مساهمة المجتمع المدني المغربي في التنمية ليست وليدة اليوم وليست جديدة تامة بل لقد حاولت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية أن تؤسس له من قبل، لكن معيقات ذاتية خاصة بالمجتمع المدني نفسه ومعيقات في فهم أدواره والإيمان بها والدفع بها من لدن السلطات الوصية، جعلت تجربة المجتمع المدني للنهوض بأدواره التنموية تراوح مكانها.

لهذا يقترح النموذج التنموي الجديد تأهيل كل من الإدارة، والفاعلين المدنيين على حد سواء من أجل إنجاح هذا الورش.
ويجيب التقرير عن سؤال ظل ثانويا في ثنايا هذا التقرير وهو: هل الدولة ستتخلى عن أدوارها التنموية؟ وهل نحن أمام مفهوم دولة أقل؟

يجيب التقرير قائلا ” نحن لا نتكلم هنا عن دولة أقل بل عن دولة أفضل” ص 57، كما أن الدولة هنا، وكنتيجة لمجمل الاستنتاجات المستقاة من تجربة وباء كورونا، سوف لن تتخلى عن وظائفها الأساسية بل إن مفهوم ” الدولة الحامية” سيتم التأكيد عليه غير ما مرة في هذا التقرير.

إن الدولة، من خلال هذا النموذج، تقوم بتجديد أيديولوجيتها، وتتبنى أيديولوجية جديدة قوامها التنمية وتبحث عن شركاء مؤهلين وسيتم تأهيلهم وهما: القطاع الخاص والقطاع الثالث.

II- تأهيل المجتمع المدني

من أجل أن يلعب المجتمع المدني دوره كاملا في هذا النموذج التنموي الجديد، فإنه مطالب بأن يتأهل لذلك، فالمطلوب هو: مجتمع مدني من الجيل الجديد مهيئ بشكل أفضل ومساهم بصفة متزايدة في العمل التنموي” ص 63.

وفي هذا الإطار يقترح النموذج التنموي الجديد الاشتغال بآلية جديدة أعطت ثمارها في مناطق أخرى من العالم وهو المنهج التواتري Approche Itérative وهي آلية اشتغال تعتمد على التجريب والتعلم والتكرار والتكيف كما تعتمد على التعميم من خلال النشر، هذه لآلية يجب أن يشتغل بها الفاعل المدني المحلي بالخصوص وأيضا الإدارة باعتبارها، في الغالب الأعم، الجهة المانحة للأموال.

ويتم التأكيد، في النموذج التنموي، على فكرة أساسية وهي: الأثر على المواطن ولذلك يقرر بأن :” يجب أن تكون تعبئة الأموال العمومية مرهونة بإلزامية النتائج المحققة… ومدعومة بنمط تنفيذ يتسم بالمرونة والفعالية كما يتطلب هامشا من الاستقلالية في عمل المسؤولين.

ويجب أن ننبه هنا أن دراسة الأثر على المواطن/المستفيد النهائي من البرامج الاجتماعية ظلت مطلبا ملحا للكثير من الجمعيات الوطنية الفاعلة.

إن المأمول من تأهيل المتدخلين كافة: دولة ومجتمع مدني، هو بروز اقتصاد اجتماعي يشكل دعامة أساسية للتنمية بحيث سيتم: ” القطع مع المنظور الاقتصاد الاجتماعي الذي تسيطر عليه أنشطة معيشية ذات قيمة مضافة ضعيفة” ص 91 بل المطلوب هو ” تحويله (أي الاقتصاد الاجتماعي) إلى قطاع اقتصادي قائم الذات”.

ولإنجاح هذا الطموح الوطني، يقترح التقرير أن يكون المجتمع المدني مؤهلا أكثر فأكثر، بحيث، وفي إطار من التجريبية المدروسة، سيحظى ب :” تشجيع التدبير المفوض لبعض الخدمات العمومية من طرف الفاعلين في القطاع الاجتماعي باعتماد منهجية تجريبية” ص 92 .

ومن الأهداف الكبرى للمشروع فيما يخص قطاع الاقتصاد الاجتماعي هو خلق المزيد من فرص الشغل خاصة للمقصيين من سوق الشغل التقليدي أي غير المتعلمين مثلا وفي المناطق النائية ويقول االتقرير: ” خلق عشرات الآلاف من مناصب الشغل سنويا على مستوى كل مناطق البلاد، مع تقديم خدمات جماعية والتحفيز على الابتكار.” ص 94 الجدول.

إن تقرير النموذج التنموي يراهن، ضمن رهانات أخرى متعددة، على بلورة وإنشاء ” اقتصاد اجتماعي” قادر على خلق مشاريع ذات قيمة مضافة كبيرة، ولكي يبسط هذا الطموح، لم يبخل التقرير في تقديم نماذج ناجحة للمقاولات والجمعيات على المستوى الدولي والوطني.

III- نماذج ناجحة

على مستوى النماذج، فإن التقرير يقدم لنا النماذج الأوروبية وخاصة الإنجليزية والإسبانية والفرنسية وكذلك بعض النماذج الوطنية المهمة وهو يهدف من وراء هذه النماذج، ليس لنسخ تلك التجارب والنماذج بل لاستلهامها ودمجها بموروثنا الحضاري المغربي العربي الإسلامي من خلال تجارب مثل التويزة وغيرها.

• دوليا

ينطلق النموذج التنموي المغربي من تقديم النموذج الإنجليزي الذي انطلق العمل به في ظل الحكومة الاشتراكية (حزب العمل) في بداية التسعينيات من القرن الماضي.

لقد أجاب حزب العمل على مختلف نواقص التجربة الليبيرالية المتوحشة للثمانينيات وتم ” الارتقاء بالقطاع الثالث إلى مصاف الشريك المميز” ص 65 بل إن هذا الشريك الاجتماعي ” ساهم في إعداد وإدارة السياسات العمومية” وتتويجا للمسار الناجح للاقتصاد الاجتماعي الإنجليزي سيتم تقديم ” ميثاق العلاقات بين الحكومة والقطاع التطوعي والمجتمعي” وصولا إلى تأسيس إطار قانوني للعمل المشترك”.

وبعد ذلك يعرج المشروع التنموي الوطني على التجربة الإسبانية من خلال تجربة مجموعة ” مون دراغون Mondragon وهي المجموعة الرائدة في العمل الاجتماعي التعاوني وقد ضمت سنة 2012 أكثر من 289 شركة وكيان نصفها عبارة عن تعاونيات” كما تضم المجموعة 4 قطاعات إنتاجية وهي: القطاع المالي، التوزيع، الصناعة، واقتصاد المعرفة، وتجدر الإشارة أن مجموعة مون دراغون كانت تشغل سنة 2016 أكثر من 73635 عامل.

ومن فرنسا يقدم المشروع تجربة المنظمة غير الحكومية ASHOKA.. إن فرنسا، حسب المشروع، اختارت سبيل الاقتصاد المسؤول كطريق ثالث بين القطاع العام والقطاع الخاص.

• وطنيا

يقدم لنا مشروع النموذج التنموي مجموعة من التجارب الوطنية على غرار المدرسة الحية لأيت بوكماز والتي تعتمد على دمج المدرسة في محيطها وتجربة معهد connect institute الذي قدم برنامج لإعادة تأهيل ودعم فرص نجاح الشباب غير المتمدرس من خلال برنامج أطلق عليه تسميته برنامج ” تمكين الشباب المغربي”.

وعلى المستوى القروي قدم لنا النموذج تجربة قرية ” تيزي نوشك” والتي تستهدف تنمية مستقلة وإيكولوجية وتضامنية لمجموعة من القرى المتجاورة.

والجميل في هذه التجارب الوطنية هو قدرة أصحابها على الاستمرار وعلى تصدير تجربتهم لمناطق أخرى من المغرب، فمثلا تجربة تمكين الشباب المغربي انطلقت من أكادير ويتم تطبيقها اليوم بكل من الرباط وطاطا.

إن هذه التجارب الوطنية والدولية، تعطي الانطباع بل تعطي الأمل بأن إنشاء ” اقتصاد اجتماعي ” وطني أمر ممكن ونحن قادرون على بلورته في أرض الواقع.

في 20 غشت 2003 أعطى جلالة الملك محمد السادس انطلاق قراءة استرجاعية لخمسين سنة من التنمية وتوج بتقرير مهم وجاد سمي بتقرير الخمسينية.

في 18 ماي 2005، واستلهاما من تقرير الخمسينية، أعطى جلالته انطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وفي نونبر 2019 أحدث جلالته نصره الله، اللجنة الوطنية الخاصة المكلفة بصياغة نموذج تنموي جديد وسميت باللجنة الخاصة بالنموذج التنموي.

ويحق لنا أن نقول بأن عهد الملك محمد السادس والذي سمي منذ توليه العرش بالعهد الجديد، بأنه عهد ” أيديولوجية التنمية”، وبغض النظر عن نجاح الجزئي أو الكلي المستحيل للتجارب السابقة، فإن حضور ” الهم التنموي” ليصبح بمثابة إيديولوجية للدولة (نستعمل كلمة أيديولوجية هنا بمعنى نسق الأفكار وبمعنى الهم اليومي للدولة وليس بالمعنى السلبي كما في الأدبيات الاشتراكية عموما والماركسية خصوصا) وهذا يشكل حافزا كبيرا للمجتمع المغربي للنهوض واستشراف مستقبل واعد لكل المغاربة في الداخل والخارج، في المدن والقرى، مغرب يضم الجميع ويسعى أن يكون مكانا رائعا للعمل والجد والكد لجميع المغاربة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

92 requêtes en 0.891 secondes
‪‬‏ google.com, pub-5944362249061261, DIRECT, f08c47fec0942fa0