إغلاق المساجد.. حين تغلق الحكومة ابواب الطريق الى الله

بقلم الدكتور العياشي الفرفار 

إغلاق المساجد في أوقات الشدة قرار في غاية الخطورة، ربما الحكومة لم تستوعب حجم التداعيات و خطورتها.

 حجم الانفعال والغضب الشعبي أصبح مرئيا وكثيفا، والاحتجاجات تجاوزت منطق الرفض الى الخروج الى الشوارع في بعض المناطق، مما يكشف ان دائرة الاحتقان قد  تتوسع، وان الصدام مع السلطات العمومية قادم لا محالة.

توثر وغضب وحالة انفعال شديدة تسود لكنها انفعالات صامتة، وهنا تكمن خطورتها، لان الصمت قد لا يطول، لاسيما حين يصبح الكلام دفاعا عن المقدس، و من أجله .

المفكر الياباني نوبوأكي نوتوهارا في كتابه:” العرب وجهة نظر يابانية” ، اعتبر ان الإنسان العربي يعيش تحت خط الخوف نتيجة غياب العدالة الاجتماعية، بذلك يصبح هشا ،مؤقتا ، ساكنا ،لأنه يعرف ان القانون لا يضمن حقوقه، او على الاقل لا يحميه من الظلم .

الانسان العربي حسب نوتوهارا، كثير الدعاء الى الله  بالصبر و التحمل في اشارة الى صعوبة الأوضاع ،و عدم القدرة على التغيير.

   قرار الحكومة هو قرار سطحي او على الاقل هو قرار تقني مؤسس على معطيات جزئية في غياب رؤية شمولية وعميقة للمواطن و الدولة و المجتمع.

ان تغلق المساجد في زمن الشدة و الخوف مع حصار على موارد الحياة و تحصيل العيش، فالأمر يشكل مغامرة وسلوكا غير محسوب العواقب .

المساجد ليست مجرد مكان للصلاة فقط ، انها اكثر من ذلك انها فضاءات للتحرر من أعباء الحياة و من قسوتها ، حيث المصلي يكون أمام معبود حكيم كريم يعطي بلا حساب, الامر يتيح تعويضا عن بخل الحكومة و قساوة الحياة، إنها لحظة مهمة لاستعادة التوازن النفسي للبسطاء. المساجد  تعاد فيها صياغة القيم وإعادة بناء المعنى عن الحياة والوجود، حيث يصبح الموت فيها ومن أجلها طريقا للحياة الحقيقية والخالدة، حيث حلم كل مؤمن ان يموت بالمسجد .

ان تغلق المساجد في وجه من يجد فيها حلا للتخلص من أزمة الواقع، و من عذابات اليومي، فالأمر يقود الى استنتاج أولي: ان الحكومة تقامر بالأمن الاجتماعي والروحي للمواطن والمجتمع، وتهدد السلم الاجتماعي للدولة.

للحكومة اكراهاتها، لكنها ليست ملزمة ان تستمر في مسلسل تعذيب المواطنين  البسطاء لدرجة أنها قررت تغيير أجواء شهر رمضان، و طقوسه الروحية والدينية ومنعت المواطنين من لقاء الله بالمساجد و الاحتفاء بذلك

 حكومة استطاعت تغيير خط جرينيتش في إطار التعايش مع السلطة و اغراءتها،  وتنفيذ توصيات الشركات العابرة للحدود، الأمر منحها الاعتقاد بوجاهة قراراتها المعولمة .

العولمة و حكومات العولمة لا علاقة لها بالمواطن، و لا باحتياجاته و لا بصحته، تهتم فقط بمصالحها وأرقام معاملاتها و أرباحها . انها نظام بلا حس انساني و بلا سند أخلاقي، حتى و ان افترضنا ان لها أخلاق، وأخلاق العولمة هي الربح و مراكمة المزيد من الربح على حساب العاديين من البشر .

منع المساجد معناه، دعوة صريحة لتحويل الانفعال والغضب المقدس الى عنف و توترات اجتماعية، لان مفعول الصبر قد ينفذ لاسيما في ظروف الحياة القاسية في زمن الجائحة .

 المساجد ليست مشكلة، إنما كانت دائما إطار للحل والتحمل، الامر لا يحتاج الى استشهاد او دليل شرعي، وإن كان مهما الانفتاح على استشهادات و إضاءات من خارج النسق الثقافي الديني (تولستوي – غارودي – فيري).

خطورة القرار، ان الحكومة وعبرها الحكومات السابقة لم تستطع  بناء مواطن قادر على مواجهة مصيره وتدبير ازماته ، وبالنتيجة حجم الهشاشة كبير و متوغل في نسيج المجتمع المغربي، ولعل من أهم خلاصات الجائحة انها كشفت حجم الهشاشة الصادم. و بالتالي فهي لم تستطع إيجاد الحلول الامنة، لكنها في الوقت ذاته منعت اغلقت امامه ابواب لقاء ربه الكريم الرحمان الرحيم.

مهمة الحكومة هي الدخول الى حياة البسطاء و تغييرها إيجابا، و الرفع من منسوب الحياة والامل واشاعة الطمأنينة، و ان تكون اطار للفعل الايجابي والحكامة المواطنة، و ليس التسلل إلى العلاقة الخاصة بين المواطن وربه، حيت نصبت نفسها وسيطا وحاجزا في الوقت ذاته.

 وسيط لأنها حكومة جعلت من الدين وسيلة للوصول الى السلطة، وعائقا حين أغلقت المساجد في شهر لا يشبه باقي الشهور.

إغلاق المساجد ليس مجرد قرار الحكومة لها مرجعية إسلامية ، وإنما هو عنوان لطبيعة مرحلة قادمة يصبح فيها كل شئ خاضع للحساب والمراقبة، هو ما يفرض تفكيك البنيات الصلبة و العنيدة المقاومة للعولمة ، لعل الدين والمساجد اكثرها اهمية ،  فالحكومة لا تلعب النرد ؟

لشهر رمضان طقوس خاصة , في مجملها طقوس روحانية و ذات طابع احتفالي بقدسية الشهر وتعظيم العبادة فيه , ولعل ليلة السابع والعشرين وما تمثله في المعتقد الجمعي للمغاربة , حيث الحكايات مازالت حية عن قيمة هذه الليلة وقيمة العبادة فيها لدرجة انها تساوي ألف شهر من الشهور العادية .

 في هذه الليلة , تعلن حالة الاستثناء في كل زوايا المجتمع البسيط , تنظف المساجد و  تزين و تنتشر الروائح  الطيبة و يلبس المصلون و الاطفال اجمل ثيابهم،و الأمهات يبدعن في اعداد اشهى الاطباق، لتنقل الى المساجد في وليمة جماعية ، كل ذلك في انتظار نزول “سيدنا القدر ” إلى السماء الاولى لتلقي الدعوات حسب الحكايات الشعبية.

 هذا الفرح العام والاستثنائي وهو فرح البسطاء مهدد بالإلغاء ،وهو ما سيكون مصدر حزن جماعي، وسببا كافيا لكي تغتال الحكومة حلم الأطفال ان يعيشوا لحظات الاحتفال بليلة “سيدنا قدر“.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

86 requêtes en 0.842 secondes
‪‬‏ google.com, pub-5944362249061261, DIRECT, f08c47fec0942fa0