هذا كل ماحدث.. لن أغفر لكم

اليوم فقط، قررت أن أعود مجددا إلى الكتابة. وأستغلّها مناسبة لأشكر كل الذين ساندوني، وآمنوا ببراءتي، وانتظروا هذه اللحظة التي أعود فيها إليهم، كما انتظروا أن أطوي صفحة مؤلمة من حياتي. لكنني لن أطويها بهذه السهولة، وستظل مفتوحة حتى أجد أجوبة لأسئلتي التي حملتها معي في الزنزانة طيلة ستة أشهر، وظننتُ أنني سأتركها خلفي مع كل ملابسي ولوازمي التي تركتها هناك… قبل أن اكتشف أنني مازلت أحملها في رأسي وفي صدري، وأظن أنني حين سأتقاسمها مع قرائي الأوفياء، سأرتاح من عبئها، حتى ولو لم أجد لها أجوبة بعد. من يدري؟

المهم، أيتها السيدات، وأيها السادة، سأفترض أنكم تعرفون حيثيات القضية، وسأخبركم بأنني كنت الشاهد الوحيد ـ من بين كل الشهود ـ الذي نفى وجود أي سلاح ابيض خلال النزاع الذي تم بين الضحيتين والشرطي. كنت الشاهد الوحيد الذي نفى معرفته أصل الخلاف بين الضحيتين والشرطي على عكس الشهود الآخرين الذين أكدوا وجود حالة الدفاع عن النفس بوجود السلاح الأبيض.

وبعد تسريب الفيديو المعلوم، تم اعتقال جميع شهود الزور إلا أنا. وبعدها بيوم واحد تم استقدام كل الأشخاص الذين ظهروا في الفيديو، وتم الاستماع إليهم، وأطلق سراحهم في المساء. نعم، أُطلق سراحهم، ولم تتم متابعتهم بتهمة عدم التبليغ عن جناية.

خلال البحث التمهيدي إلى حين تقديم جميع المتهمين، كانت المشاورات تتم مع السيد الوكيل العام الموقر جنابه السيد بنسامي الذي كان على اطلاع بكل تفاصيل الملف، ولم يأمر باستدعائي أو باعتقالي. وبعد التقديم أمر بتحويل الملف على أنظار المحكمة الزجرية بعين السبع على اعتبار أن فصول المتابعة هي جنحة وليست جناية.

 وبعد تقديم المتهمين على أنظار وكيل الملك، أمر باعتقالهم جميعهم، ووضعهم بالسجن المحلي عين السبع. لأفاجأ بعد أسبوع، وأنا الذي كنت حرا طليقا، بأن النيابة العامة أصدرت تعليماتها إلى الشرطة القضائية بإعادة الاستماع إلي. وهذا ما حدث، توصلت باستدعاء يوم 15 يوليوز، وتقدمت أمام المصالح الأمنية، وتم الاستماع إلي من جديد في بحث تفصيلي، لتتم مواجهتي بتصريح أحد شهود الزور، والذي يشتغل بمقهى قرب واقعة الحادثة، يؤكد فيها أني طلبت منه حذف كل الفيديوهات من dvr  الخاص بكاميرا المراقبة، هذا ما نفيته، خاصة وأن مكان واقعة الجريمة كله كاميرات. حتى أن تقرير الشرطة العلمية أكد على أن dvr  لم يتم العبث بمحتوياته، أو حذف الفيديوهات المسجلة، وأن آخر مرة امتدت فيها إليه يد، كانت قبل ثلاث سنوات. ثم تمت مواجهتي باتهام آخر، وهو أن الشرطي لم يشر إلى "القرطة" مثلما أكدت أنا في المحضر الاول، فأكدت مجددا على أن الشجار كان بين شابين، وكان أحدهما يمسك بعنق الشرطي من الأمام، بغض النظر عن اسم هذه الحركة.

أتممت التصريح، فتم التشاور مع أحد نواب وكيل الملك الذي أمر بإطلاق سراحي، على أن أتقدم في اليوم الموالي أمام أنظار وكيل الملك في حالة سراح.

في اليوم الموالي 16 يوليوز، تقدمت أمام جناب نائب وكيل الملك حوالي الساعة الحادية عشر صباحا. لم يستغرق وقت التقديم أكثر من 10 دقائق، ليتم إخبار محامي الخاص الأستاذ عصام الابراهيمي بالانتظار حتى يتم التشاور. انتظرت فانتظرت ثم انتظرت، و بعد ثماني ساعات من التشاور، صدر أمر الاعتقال. تم إخباري بذلك حتى الساعة 18h50 مساء. وفي تلك اللحظة، تذكرت أمي المريضة، فانفجرت من الداخل.

لقد تمّت متابعتي بتهمة عدم التبليغ عن جناية، رغم أني كنت في ولاية الأمن الساعة الثالثة صباحا، وأدليت بشهادتي، و تصريحاتي حول مقتل الفتاة. تصريحاتي هي نفسها المطابقة لما ظهر في الفيديو، حيث أخبرت المحققين أن الضحية بدأت بضرب الشرطي، وبعد ذلك تم دفعها فسقطت أرضا، وبعدها سمعت صوت إطلاق الرصاص. هنا، بادرني المحقق: هل تم إطلاق الرصاص عمدا أم عن طريق الخطأ؟ أجبت: لا استطيع التحديد، لأني كنت في الرصيف الآخر، ووجود جماعة من الناس حول الشرطي، إضافة إلى الطاكسيات حجب عني الرؤية.

 المهم أني أكدت أن القتيلة تم إطلاق الرصاص عليها وهي ممددة على الأرض. أليس هذا التصريح تبليغا عن جناية؟

وطيلة مدة الاعتقال الاحتياطي، كان هناك سؤال واحد يدور في ذهني: لماذا أخذ قرار اعتقالي كل هذا الوقت؟ فإذا كانت التهمة ثابتة، فإن قرار الاعتقال لا يستغرق في العادة أكثر من عشر دقائق، فلماذا امتد الزمن إلى ثماني ساعات بالتمام والكمال؟

وكان النطق بالحكم: عشرون شهرا حبسا نافذا. يا ربي، سيغلق علي في زنزانة متسخة، ولن أرى النور إلا سنة 2021؟ وبأي ذنب أعاقب بكل هذه المدة؟ كل شيء في تصريحاتي وفي ملفي يقول إني بريء، وكل شيء في داخلي يقول إني بريء. إنه الظلم. لأول مرة أشعر بطعم الظلم. أرى بعيني كيف يتخذ آخرون قرارا يحدد مصيري وأنا غير قادر على تغيير هذا المصير. لكن، مثل كل المؤمنين بالله، اعتبرت أن الله يمنحني فرصة عظيمة للاختبار. فهو الذي اختارني، وقدّر عليّ هذا البلاء لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه، وعلي أنا أن أرضى بما قدر وشاء.

اعتقلوني، وحاكموني، وجرّدوني من كل ما أملك، وحجزوا جسدي في زنزانة متسخة، وقيدوا يدي مرات ومرات، وحجبوا عني الضوء وندى الطرقات، ولكن لم يستطع أحد أن يجردني من إرادتي، أو يحجز صرختي، أو يقيّد عزمي على نيل براءتي. لم يستطيعوا أن يحجبوا إيماني بربي العدل الحق، ويقيني بعدالة قضيتي.

في كل يوم، في كل ساعة امتدت من الليلة الأولى حتى حلول تاريخ جلسة الاستئناف، كان الأمل في داخلي يكبر بأن يوما ما هذا الليل سينجلي، وهذا القيد سينكسر. لو لم أملك هذه الإرادة لهزمني الشعور بالظلم، وكنت ضحية الجنون. هل تفهمون معنى أن أتهيأ للنوم بعد يوم طويل مقرف متعفّن بارد فأتذكر بأنني متواجد في هذه القذارة ظلما، بسبب ذنب لم أرتكبه؟ كم تمنيت لو كان هذا مجرد كابوس، وسأصحو منه بعد قليل.

بعد جلسة الاستئناف، علمتُ أن الله استجاب لدعائي، وانكسر القيد بعدما تحوّل الحبس من عشرين شهرا إلى ستة أشهر، وانفتح باب الزنزانة، وخرجت. خرجتُ وفي يدي حرّيتي، لكن ليس فيها براءتي. خرجت وأنا أشعر بطعم الظلم مازال إلى الآن في فمي. هل أخوضها معركة لأثبت فيها للجميع بأني قضيت ستة أشهر في السجن مظلوما؟

في الحقيقة، لقد خرجت من هذه التجربة أقوى مما تصورت، وينبغي أن أطوي ملفّها. لكن سأحتفظ به حتى نقف جميعا بمحكمة السماء، أمام القاضي الذي لا يظلم العبد أمامه أبدا. هناك، هناك فقط، سأشير إلى الذين ظلموني، وسأقول: هؤلاء ظلموني، وأبكوا أمي… لن أغفر لكم.

Facebook : Achraf Ben Jilali

Email : [email protected]

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

90 requêtes en 0.686 secondes
‪‬‏