مول الشكارة.. الإنسان..

لم يكن يخطر ببالي أني سألتقي يوما بأي بودكاستر مغربي من الناشطين في العالم الافتراضي، والذي أصبح عالما مزعجا للجميع.

 مزعج للمتابعين حين يكون صاحب البودكاست تافها وفارغا يسعى فقط إلى الشهرة، وإذا كان صاحبه من اختار طريق فضح الفساد فإنه يكون مزعجا لكل الفاسدين والمافيوزيين الذين مازالوا يظنون أن سلطة المال و الجاه ستخرس الأصوات الغيورة على هذا الوطن.

لم أتوقع أن ألتقي واحدا من هؤلاء، ولم أفكر في ذلك، حتى تلقيت اتصالا هاتفيا  من رئيسي المباشر  يطلب مني الاستعداد للقاء محمد بنيس المعروف بمول الشكارة. هذا الإسم لم يكن يعني لي من قبل غير واحد من الأسماء التي فرّخها الانترنيت، تقول كلمتها وستمضي، وتوقعت وأنا أصل الى حي ليساسفة حيث يسكن أني سألتقي شخصا مهزوما مكسورا بعد المحنة التي عاشها خلال الفترة الأخيرة، وبعدما تأكد الجميع من خلال كل المرافعات التي قدمها محبوه أن التهم باطلة، وأن الهدف من وراء كل هذا هو إجباره على السكوت.

وبمجرد ما انفتح باب المنزل، استقبلنا مول الشكارة بابتسامة عريضة تفيض بالحيوية، وكأنه عاد للتو من باريس أو نيويورك وليس من مكتب تحقيق. وعند دخولنا كانت في استقبالنا والدته، السيدة الفاضلة التي أبكت كل المغاربة عند اعتقال ابنها. استقبلتنا بترحاب منقطع النظير، استقبال امرأة تختزل في بشاشة وجهها حنان و طيبوبة كل الامهات المغربيات الاصيلات. كان الاستقبال حارا، وشعرنا كأننا جزء من هذه العائلة. نعم لقد صار مول الشكارة ابنا و رمزا لجميع البسطاء

كان انبهاري بمحمد بنيس يفوق التصور خلال حديثه معنا، كان يتحدث بأدق التفاصيل في لحظات عفوية لا يجيد فيها التصنع، ولا يضخم الأشياء كما يفعل من كان في وضع مثله. تحس بصدقه المعتاد كما كنا نراه في الفيديوهات التي كان ينشره، لم يقدم نفسه بطلا مصرا على محاربة الجميع، ولم يقدم انسحابه من معركة يبدو أنها أكبر منه.

طرحت سؤالا على والدته إن كانت ستسمح لابنها بمواصلة فضحه للفساد رغم ما عانته بعد اعتقاله،لم تأخذ الأم الطيبة فرصة للتفكير، وبكل عفوية أجابت اذا كان في سبيل الحق و نصرة المظلومين أنا معه، ولا أريده أن يتوقف. يا الله… أي حافز على مواصلة فضح الفساد أكبر من هذا الكلام؟ إجابة من سيدة عانت الأمرين كانت كافية لأن أحصل على جواب لسؤال طرحته على نفسي: من أي يستمد مول الشكارة كل هذه القوة التي تجعلها يتحدى بصلابة كل الصعوبات وكل الإغراءات؟ رغم يتمه، ورغم الصعوبات، لم يستسلم للواقع المر، وظل يسبح عكس تيار الاغراءات و المساومات التي كانت تعرض عليه. آمن بفكرة محاربة الفساد، وتشرب معانيها. فكان سلاحه صدق النية والإخلاص للمبادئ. ولعل أهم سلاح يفتك بكل من التقاه، هو ابتسامته الهادئة التي تخفي اعصارا و غضبا عندما يتعلق الأمر بفضح ملف من ملفات الفساد.  

طيلة هذا اللقاء، لم يتوان عن حمد الله وشكره على هذا الابتلاء الذي تقبله بإيمان ملفت للنظر، ولم يزده إلا قوة و إصرارا على مواصلة الطريق. ولعل ما خفف عنه معاناة الظلم هو الحب الذي لقيه من المغاربة قاطبة باستثناء من فرحوا لفترة وجيزة باعتقاله. حتى المنظمات الدولية الحقوقية تعاطفت مع قضيته بعدما اعتقد الجميع أنها قضية ستخرس محمد بنيس إلى الابد, ولكن القضاء المغربي أنصف الحق، وحكم ببراءته في محاكمة ستبقى مشهودة في تاريخ القضاء المغربي.

قبل مغادرتنا لبيت مول الشكارة خاطب جميع الحاضرين بكلمة سيهتز لها عرش الرحمان، و لن تجد لها حاجبا بينها وبين الله العدل الحق، حيث أعلن مسامحته لكل من ظلمه، ولكن لن يسامح أبدا من كان سببا في نزول كل دمعة من عيني والدته التي لا حول لها و لا قوة.

قبل أن أغادر، أعلنت له صراحة أن قبل هذا اللقاء أني كنت معجبا فقط بمول الشكارة البودكاستر، اما الآن فاحترم احتراما كبيرا محمد بنيس الإنسان. سألني بعفوية: وما الفرق؟ أجبته ممازحا: الاعجاب بفتاة لا يعني أني أحبها و الحب أنبل احساس من الاعجاب. فما كان منه إلا أن عانقني و قبل رأسي بحرارة.

أيها البطل، يا بنيس… هاد البوسة ديال الراس لك مثلها على رأسك من كل البسطاء في هذه البلاد، ومن كل الأحرار في العالم.

Facebook: Achraf Ben Jilali / Email.: [email protected]

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

90 requêtes en 0.581 secondes
‪‬‏