مجرد رأي: شبكات التواصل الاجتماعي ترعبهم لأنها تفضحهم !!

إن النقاش الدائر حول التأثير القوي والسريع لوسائل الاتصال الحديثة، وما تحمله من متاعب للأنظمة السياسية وللفاعلين بها ليس وليد اللحظة، ولم ينطلق مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي فحسب، بل هو نقاش قديم أثير مع بداية ظهور الطابعة والاذاعة والتلفزيون. فقد ساهمت هذه الوسائط بشكل بارز في خلق حركات اجتماعية وسياسية خارج النطاق المسيطر عليه وشكلت آنذاك عنصرا أساسيا في إعادة بناء المشهد السياسي. فعلى سبيل المثال، ساهمت الطباعة في أوربا في عصر النهضة في نشر أفكار مهمة حول الحرية والديمقراطية وتطوير أساليب الحكم، مما ساعد على قيام الدول الأوربية الحديثة التي استقلت عن سلطة الكنيسة و استطاعت الخروج من دائرة الجهل والفقر والهشاشة التي عاشتها في القرون الوسطى.

إن ملايين المواطنين عبر العالم، يعلقون آمالا واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي في توفير فضاء ديمقراطي بديل، للتواصل وممارسة حرية التعبير خارج القنوات التواصلية المهيكلة، والتي يفرض عليها حصار كبير ، وتشكل هاجسا من التخوف والريبة لدى جل الحكومات بسبب تأثيرها القوي وقدرتها الناجعة والسريعة على التعبئة والتواصل ، سواء الأفقي بين مختلف مكونات المجتمع أو العمودي مع القيادات والمسؤولين بمختلف مستويات مراكز القرار، بالإضافة لقدرتها على تجاوز العائق الجغرافي وتشبيك الحركات الاحتجاجية وتوحيد مطالبها خارج المستوى المجالي الضيق والمحدود في المكان والزمان.

هذه التوجسات لدى أنظمة الدول وحكوماتها لم تنطلق من فراغ، فالتجارب التي عاشها العالم مؤخرا لعبت فيها شبكات التواصل الاجتماعي دورا أساسيا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت هذه الوسائط سبب رئيسيا في تأجيج الاحتجاجات الشعبية العارمة بايران سنة 2009 وساهمت في خلق ما سمي بالانتفاضة الخضراء احتجاجا على تزوير الانتخابات ومصادرة أصوات أنصار مير حسن وموسوي ومهدي كوبري الاصلاحيين. وفي العالم العربي والمنطقة المغاربية كان للفيسبوك وتويتر دور حاسم في التعبئة والتنسيق والخروج الميداني في حركات شبابية للمطالبة باصلاحات سياسية ومطالب اجتماعية وحقوقية كالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والتي عرفت في المغرب بحركة 20 فبراير .

وإذا كانت البلدان الأكثر تقدما في مجال التكنولوجيات الحديثة عاجزة عن توفير آليات لمراقبة وتطويق الولوج لشبكات التواصل الاجتماعي، فيمكننا أن نتصور مستوى التحدي المفروض على الدول الأقل تمكنا من هذه التكنولوجيا والتي اقتنعت بعدم جدوى الوقوف موقف المتفرج من هذا المد الرقمي الجارف ، وبضرورة الانخراط الفعلي في هذه الشبكات الافتراضية عبر هيئاتها ومؤسساتها ، مما حول هذه الفضاءات الافتراضية حلبة للصراع والتجاذب بينها وبين الحركات الاحتجاجية السياسية والاجتماعية والثقافية وباقي مكونات المشهد السياسي.

هذا الصراع الرقمي الذي صار أكثر تطورا وتنظيما ساهم في انتاج ثقافة جديدة للاحتجاج الغير مقرون بالخروج للشارع كالمقاطعة الاقتصادية لبعض المواد والمنتجات الاستهلاكية، أو كالتنديد بتصريحات أو ممارسات أحد المسؤولين أو الوجوه البارزة. لقد صارت منصات التواصل الاجتماعي ورقة ضغط مهمة على مختلف المسؤولين الحكوميين وممثلي الشعب بالبرلمان، وساهمت في خلق نقاش أفضى الى تسليط الضوء على العديد من القضايا التي كانت منذ عهد ليس بالبعيد من الطابوهات التي يعد طرحها للنقاش ضربا من الجنون، كما أن استعمالها في الحملات الانتخابية صار أمرا واقعا، وضرورة ملحة، وذا تأثير أقوى وأبلغ من التجمعات الخطابية الكلاسيكية والمطبوعات الورقية التي كانت توزع بشكل تقليدي لإقناع الناخبين ببرنامجهم الانتخابي. وقد يذكرنا هذا الأمر بالضجة الكبيرة التي أثيرت حول تدخل روسيا في الانتخابات بالعديد من الدول كأوكرانيا وفرنسا وألمانيا والولايات المتحدة الأمريكية، عبر حملات ممولة وموجهة عبر وسائط التواصل الاجتماعي للتأثير على نتائج الانتخابات. حيث قدرت احصائيات شبكة الفيسبوك أن المحتويات الروسية على ذات الشبكة، من إعلانات ورسائل مممولة توصل بها بشكل فعلي أزيد من 126 مليون أمريكي ، أي حوالي 40% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية. انطلاقا مما سبق، يبدو أن نزعة الحكومات نحو محاولة السيطرة على شبكات التواصل الاجتماعي و تقويض حرية التعبير بها أمر مفهوم، عبر سن قوانين تكبل هذا الحق وتفرض قيودا على ممارسته. حيث سبق لسيناتورات أمريكيين اقتراح قانون سمي honest ads act والذي تخضع بموجبه وسائط التواصل الاجتماعي للقانون المطبق على الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. كما أن حكومة ألمانيا قدمت قانونا يمنح مسيري الصفحات والمجموعات على شبكات التواصل الاجتماعي أجل 24 ساعة لحذف كل التدوينات والتغريدات التي تتضمن إساءة للأفراد والمؤسسات أو التي تقدم معطيات مغلوطة أو مزيفة مقابل غرامات مالية قد تصل الى 50 مليون أورو في حال عدم الامثتال. غير أن كل هذه الاجتهادات في ظل غياب قانون دولي منظم ، يجعل القوانين الوطنية الخاصة بالدول غير ناجعة ودون معنى، على اعتبار أن جل المعطيات الرقمية تخزن وتسير خارج حدودها الجغرافية.

أما في المغرب، فقد قدم البرلماني بمجلس المستشارين والكاتب العام للفيدرالية الديمقراطية للشغل عبد الحميد فاتحي سؤالا شفهيا حول مراقبة مواقع التواصل الاجتماعي حيث احتج الفاتحي على ما اسماه تجاوزات تمس الأشخاص والمؤسسات والأحزاب والنقابات وطالب بمحاصرة هذه الشبكات التواصلية على حد تعبيره.

التدخل المثير للجدل خلق ضجة كبرى وسخطا عارما من طرف العديد من النشطاء على المواقع الاجتماعية ، وقد عرف الفيسبوك خلال اليومين الأخيرين انتشار هاشتاغ بعنوان الفاتحي لا يمثلني احتجاجا من طرف المحسوبين على حزبه ونقابته على موقفه الغريب و الذي قد يعجل برحيله من قيادة المنظمة النقابية مع تضاعف عدد منتقدي خرجته المثيرة والتي قابلها الوزير الحركي محمد الأعرج بجواب أكثر تعاطفا مع رواد شبكات التواصل الاجتماعية ليتموقع في صف المدافع عن قيم حرية التعبير والنقاش الحر ضمن الفضاءات الافتراضية.

إن من بين إشكالاتنا الكبرى في المغرب، ذلك المشهد السياسي المضطرب الذي يصبح فيه الفاعل الحكومي مدافعا عن حرية التعبير، في الوقت الذي يرتدي فيه النقابي لباس الشرطي والمخبر، ويدعو بكل جرأة الى مراقبة ومحاصرة كل فرص التواصل والتعبير وتبادل الأفكار والنقاش الهادف ولو في واقع افتراضي وراء شاشات الحواسيب والهواتف المحمولة.

تدخل الفاتحي المثير ليس الأول من نوعه، فقد سبق له أن صرح في برنامج تلفزي تصويته لصالح مشروع قانون مالية سنة 2018 رغم اقتناعه التام بكونه لا يحمل أي اضافة محسوبة لصالح الطبقة العاملة، كما سبق له ان اتهم من طرف أعضاء بالمكتب المركزي لنقابته باختلاس مبالغ كبرى من مالية الفدرالية الديمقراطية للشغل وعقده لمؤتمر تقني (انقلابي) على قيادة النقابة التي كان يترأسها عبدالرحمن العزوزي مما أدى الى استقالات وانسحابات بالجملة للعديد من النقابات الوطنية القطاعية ، عجلت بفقدان النقابة لصفة الأكثر تمثيلية وفقدان فريقها بمجلس المستشارين. بالاضافة لاتهامه من طرف أحد صحفيي القناة الثانية بمحاولة ارشائه مقابل تصريح صحفي يلمع صورته أمام الرأي العام الوطني. كل هذه التداعيات وغيرها تفسر الرغبات الجامحة للكثيرين في محاصرة شبكات التواصل الاجتماعي لأنها فعلا تفضحهم وترعبهم !!! .

  • عبد الحكيم متوكل عضو الأمانة العامة للكونفدرالية العامة للشغل
  • فاعل نقابي باحث في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال الحديث

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

92 requêtes en 0.852 secondes
‪‬‏