مجرد رأي: اللهم إن الوطن بريء منهم

أشرف بن الجيلالي

تواصل مواقع التواصل الاجتماعي لعب دور خطير كانت تتكفل به أعتى المؤسسات الاستخبارية. وكشفت بفيديوهاتها جرائم ظل يقترفها أصحابها في السر، ويفلتون من العقاب. وفضحت سلوكات رهيبة ظل يقوم بها كبار البلد، ولا يعلم بسلوكاتهم أحد. وجعلت المواطن البعيد قريبا مما يدور في المكاتب المغلقة، وما يجري في الأماكن السرية، وما يحدث في الفضاءات الفخمة التي لا يسمح فيها للبسطاء بالدخول أو التلصص.

هذه المرة، انتشر فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي لسيدة معروفة بالفضاء الأزرق بكونها كاتبة مغربية من ديانة يهودية. ظهرت فيه وهي تفضح سماسرة قدّموا أنفسهم كمقربين جدا من القصر الملكي. قامت هذه الكاتبة اليهودية بتسليم مبلغ 80 مليون سنيتيم نقدا إلى هؤلاء السماسرة ليقدموها بدورهم إلى شخصية سامية لها ارتباط وثيق بالعائلة الملكية مقابل تقديم خدمة لهم بإدارة الضرائب، وتحديدا مقابل إعفائهم من ضرائب مستحقة.

لم يكن الفيديو استغاثة من راشية ضد مرتشين نصبوا عليها، وإنما كان توثيقا لعملية احتجاز وتحقيق مع أحد هؤلاء السماسرة. فرأينا كيف أن إحدى السيدات تجرأت على توجيه صفعة على وجهه، وهو كأي نصاب وقع في قبضة الشرطة، أو أي عميل سقط في يد عصابة المعادية، ظهر مستسلما لا حول و له ولا قوة. 

في اليوم الموالي خرجت علينا الصحف الفرونكفونية وبعض الصحف العربية تتحدث عن هذه الفضيحة بعناوين بارزة. كل العناوين مالت إلى إدانة السماسرة الذين سمتهم "عصابة تنصب باسم القصر الملكي"، ولكن ولا واحدة تحدثت عن الشق القانوني المثار بهذا الفيديو، والذي يدين كلا الطرفين دون استثناء. 

باعتراف واضح من التي تقدم نفسها الضحية، فإن مبلغ 80  مليون سنتيم كانت عبارة عن رشوة من أجل التهرب من أداء الضريبة، وفي هذا اعتراف بجريمتين: الرشوة والتحايل الضريبي. فالمشرع المغربي أكد في  قانون عقوبة الرشوة  على جريمتين: جريمة المرتشي المنصوص عليها في المادتين 248 و 249 وجريمة الراشي طبقا للفصل 251. فحسب منطوق المادة 248، تتراوح عقوبة جريمة الرشوة بين الحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وغرامة من 1000 إلى 500000 درهم. 

وتعاقب المادة 251 المتعلقة بالراشي وهو الذي يعطي الرشوة للحصول أو الامتناع عن عمل، بنفس عقوبة المرتشي سواء كان للرشوة نتيجة أم لا.

وأعتقد أن هذا الفصل القانوني ينطبق على صاحبة الفيديو، والاعتراف مسجل.  فهل سيطبق القانون على الراشية كما على المرتشين حتى يطمئن المواطن المغربي أن لا أحد يعلو فوق القانون، أم أن المواطن سيتأكد مرة أخرى من أن هناك بشرا مثله فوق القانون.

فضيحة أخرى ظهرت بالفيديو ولكنها مرت دونما اهتمام. فقد تحدثت إحدى السيدات في  اتصالها مع أحد السماسرة عن اتصال تلقاه من الموساد الإسرائيلي وجهاز الأمن الداخلي الاسرائيلي. نعم، هناك تصريح بأن رجال الاستخبارات الإسرائليين دخلوا على الخط في هذا الملف، بل إن نهاية الحديث/ الاتصال تنمّ عن تهديد واضح جدا، حيث قالت السيدة المتصلة: "و خويا راه إسرائيليين ما كيعرفوش يهضروا مع الناس" 

بأي حق يتدخل الموساد وجهاز الأمن الداخلي الاسرائيلي في ملف بين أسرة مغربية تعطي الرشوة لتعفى من الضريبة، وبين سماسرة ينصبون باسم القصر الملكي؟ ومن اتصل بهذين الجهازين و سلمهما رقم السمسار؟ أو ليس لهذا البلد مؤسساته القضائية وهي الجهات الوحيدة المختصة في مثل هذه النزاعات ومثل هذا الملف؟

 لابد من تحقيق جاد من كل الإدارات الأمنية و المخابراتية في هذا الموضوع بالذات، لأننا  نرى استهانة بمؤسسات الدولة القضائية والأمنية، وكل هذه الجرائم موثقة بالفيديو. وكل من ظهر فيه مذنب ويستحق العقاب. وأمام المسؤولين الذين يحققون في الملف كل الأدلة و البراهين التي تدين الكل. ولقد قالها الملك محمد السادس في خطاب العرش: “عدم الـقيام بالواجـب، هو نوع من أنـواع الفساد”.

غير هذا، فإن أكثر ما أثارني في هذا الفيديو، هو حديث السيدة طيلة أطوار التحقيق والمحاكمة عن وطنيتها وحبها للوطن، وعن انتمائها إلى الشعب، وعن حبها لجلالة الملك. اللهم إن الوطن بريء من هؤلاء، اللهم إن الشعب بريء من هؤلاء. اللهم إن الملك بريء من هؤلاء.

فيا سيدتي، عن أي حب للوطن تتحدثين؟ هل حب الوطن يدفعك إلى تقديم رشوة بثمانين مليون سنتيم من أجل التحايل على الضريبة؟ في الوقت الذي يقف فيه المواطنون المغاربة الشرفاء أمام إدارة الضرائب في طابور طويل من أجل أداء ما عليهم من واجبات.

عن أي انتماء للشعب تتحدثين؟ وهل بنت الشعب تملك ثمانين مليون نقدا لتدفعها رشوة في الوقت الذي يقف جزء كبير من الشارع في طوابير مهينة ليتسلم قفة رمضان لا تتجاوز قيمتها خمسين درهما؟

وعن أي حب للملك تتحدثين؟ هل يدفعك حبك للملك إلى الاستعانة بالموساد و جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي؟

شكرا لك سيدتي لأنك كشفت لنا بعضا مما يحدث في كل مكان من هذا الوطن. وقدّمت لنا بالدليل والبرهان أن هناك راشين ومرتشين يعيشون بيننا يراكمون الثروة دون حساب. نعم، كنا نعرف أن بلادنا فاسدة، ويتسبب في أعطابها فاسدون… وكنا نعرف أن مواطنين بيننا لهم ولاءات خارجية حتى مع إسرائيل، لكن أن نراهم بالصوت والصورة، وقد صوّروا أنفسهم بكل حرية… فنحن محظوظون، وسنكون أكثر حظا إذا رأينا الفاسدين يدخلون إلى السجن وقد خرج منه الأحرار… أحرار الريف مثلا.

Facebook : Achraf Ben Jilali

E-mail.      : [email protected]

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

92 requêtes en 1.039 secondes
‪‬‏