ليته منهما يتعلّم

جاءتني مكالمة هاتفية هذا الصباح، وبالقدر الذي فرحت بها بالقدر الذي أصابني الحزن. كانت المكالمة من أقارب المعتقل 22267 الذي كتبت عنه سابقا مقالا بتاريخ 31 غشت 2020. لعلكم تذكرون النزيل المصاب بالسيدا الذي رويت معاناته داخل السجن، وحرمانه المتعمّد من حقه في التطبيب، وحقه في معاملته كحامل لفيروس داء المناعة المكتسبة، مع ما يتطلبه ذلك من إجراءات وقائية.

لقد شعرت بالفرح لأن النزيل إياه أطلق الله سراحه، وغادر أسوار الجحيم. لكني شعرت بالحزن الشديد حين علمت أن نداءه الذي ضمّنته في مقالي لم يصل إلى المسؤولين وإن وصلهم المقال، وأن معاناته استمرت ولم تهتز شعرة واحدة في رؤوس مسؤولي السجن، ولا في رأس رئيسهم.

طبعا، ليست هذه هي المرة الأولى التي يصم فيها الوصيّ على المؤسسات السجنية أذنيه عن شكايات المعذبين في زنازنه التي ننشرها في موقعنا. وحتى إذا ما تفاعل مع إحداها، فإنه يفعل ذلك من أجل أن ينفي ما جاء فيها، وليس من أجل إنصاف أصحابها. كما حدث حين نشرنا في هذا الموقع بتاريخ 13 يوليوز 2020 شكاية أسرة ك. ط رقم الاعتقال 108226، تلك التي روت بألم معاناة المعتقل المقعد مع رئيس المعقل بسجن عكاشة، وسردت الوقائع الأليمة التي عاشها وأدت إلى حرمانه من كرسيه المتحرك، وإلى بتر أصابع يديه. بعد أيام قليلة فقط جاء رد المندوبية العامة ببلاغ أكدت فيه أن السجين المذكور قد اعتدى على نفسه، فتسبب في بتر أصابعه. ونفت أن يكون قد تعرض لأية معاملة خارج القانون.

 من المؤسف أن لا يتفاعل المندوب العام للسجون إيجابيا مع آلاف الشكايات والبلاغات والتقارير التي تضع أصابعها على الجراح. لديه إنكار مزمن للواقع، دائم الهروب إلى الأمام إما بالتجاهل التام أو بالنفي أو بالهجوم. ويتساوى لديه هنا المواطنون بالمنظمات وحتى بالمجالس العليا. فهل يمكننا أن ننسى الطريقة التي رد بها على تقارير السيد ادريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات قبل عامين؟ ألم يصف التامك تقرير جطو بالعدمي فقط لأنه كشف عن حجم التقصير المستشريين في المؤسسة السجنية؟

ألم يسمح السيد المندوب العام لنفسه خلال شهر شتنبر الماضي بمهاجمة البرلمان وتقريع أعضائه واعتبار ممارستهم لاختصاصاتهم الدستورية انحرافا؟ ألم ينتفض قبل ذلك في وجه فريق برلماني وجه سؤالا لرئيسه المباشر سعد الدين العثماني بخصوص معتقلي حراك الريف واتهمه بالمزايدة السياسية؟

من المؤسف أن يستمر التامك على نهجه، أو يستمر هو نفسه في منصبه لوقت آخر. لقد أضعنا فعلا بسببه كثيرا من الوقت، وباتت المندوبية العامة لإدارة السجون في عهده الإدارة الوحيدة التي لا تتفاعل مع الشكايات، وربما إدارة السجون الوحيدة في العالم التي تنفي دائما الانتهاكات التي تحدث داخل سجونها، وكأن موظفي سجون التامك ملائكة فوق الأرض، لا ينتهكون ولا يتجاوزون ولا يقصّرون.

لقد حان الوقت كي يأتي على رأس المندوبية العامة لإدارة السجون مسؤول يحقق التناغم المنشود مع إدارتين مترابطتين استطاع رئيساها أن يكونا النقيض له تماما، وليته تعلّم منهما؛ المدير العام للأمن الوطني، ورئيس النيابة العامة.

فللأمانة، وبدون نفاق أو ادعاء، لا يختلف مواطنان في كون المدير العام للأمن الوطني السيد عبد اللطيف الحموشي أكثر المسؤولين تفاعلا مع شكايات المواطنين بالسرعة والجدية اللازمين لإنصاف المظلومين وإحقاق الحق، ولو تطلب الأمر اتخاذ إجراءات فورية تصل حد الإعفاء في حق المشتكى بهم والمثبتة مخالفاتهم، حتى ولو كانوا مسؤولين في منصب رئيس منطقة أمنية أو رئيس شرطة قضائية

ونحن في هذا الموقع كنا نشرنا شكاوى لمواطنين مظلومين، فكانت تدخل المديرية العامة على الخط وتفتح تحقيقا مباشرا. حيث يتبين لها صدق الشكايات، فتتخذ الإجراءات اللازمة. وما زلنا نتذكر نشرنا لشكاية مواطن بسيط يتهم فيها رئيس شرطة قضائية بأمن الفداء درب سلطان بإهمال شكايته وبعدها بأسبوع فقط، تم اعفاء رئيس الشرطة القضائية بعدما تم فتح تحقيق إداري وتبين صدق شكاية المواطن

مسؤول آخر يسير بذات الوثيرة، هو عبد النباوي الذي صارت مؤسسة النيابة العامة في عهده قريبة جدا من المواطنين ومن مظاليمهم. ويكفي أن تكتب على محرك البحث غوغل عبارة (النيابة العامة تتفاعل) لتنهمر آلاف الوقائع والقصاصات والأخبار من نتائج البحث، كلها تشهد على سرعة الاستجابة، بل وعلى اتخاذ ما يلزم كي تعود الحقوق إلى أصحابها، وينال المعتدون جزاءهم.

  كثيرة هي الملفات والشكايات التي نشرناها بموقعنا، ولم تتوان النيابة العامة في تبنّيها. كان آخرها فيديو الجزارين بالمحمدية الذين ذهبوا ضحية تسلط نائب وكيل الملك ه. ل. حيث مباشرة بعد نشرنا الفيديو، فتحت النيابة العامة التحقيق، ولعلكم تعرفون تطورات الملف. فلولا الفيديو لما عُرف حجم الظلم الذي عانى منه مواطنون، ولولا تفاعل النيابة العامة معه لما نال الظالمون جزاءهم.

هي ثلاثة إدارات يتداخل عملها، يكمّل بعضها بعضا كهيكل بثلاثة قوائم. تصوروا لو أن أحد القوائم معطوب أو قصير، فإن الهيكل لن يقف بشكل صحيح. وهكذا يبدو الأمر: إدارتان متفانيتان، وإدارة مقصرة. 

بصراحة، لم يكن في ذهني في بداية كتابتي هذه الكلمات أن أتحدت عن الحموشي وعبد النبوي. لكن حديثي عن التامك الذي يتجاهل شكايات المعتقلين و يعين المؤسسات الدستورية و ممثلي الأمة ويغطي الشمس بالغربال، فرض عليّ أن أذكر ضده، وبضدّها تتبين الأشياء.

وفي الختام، أهمس في وجه التامك بإخلاص مواطن مغربي: أن تنفي وجود انتهاكات في سجونك لا يعني أنها غير موجودة. والخطير أن نفيك يكرس هذه الانتهاكات، ويديم معاناة الضحايا، ويعطل مسيرة الإصلاح. فآن الأوان أن تتفاعل مع شكايات المعتقلين كما يتفاعل الحموشي وعبد النبوي، أو دع منصبك لمن هو جدير بأن يكون مثلهما.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

92 requêtes en 0.834 secondes
‪‬‏