لن أحتفل اليوم بنصر أكتوبر

مثل كل سنة، ومنذ سنوات، والعالم العربي يحتفل مع المصريين بعيد النصر، بملحمة 6 أكتوبر. لم يكن الانتصار لمصر وحدها، بل كان لكل البلدان العربية. لم يكن نصرا عظيما للسادات، بل كان نصرا لكل الزعماء العرب. هكذا، عشنا نتغنى بهزيمة مخزية للعدو الإسرائيلي، واستعدنا الثقة في النفس بعد النكسة المذلة التي تسببت فيها مصر نفسها.

لكن احتفال هذه السنة مختلف عن احتفالات الأمس، ولكي أكون دقيقا، لقد بدأ يخف الحماس تدريجيا منذ سنوات قليلة، وبالضبط منذ ألف رئيس أركان حرب القوات المصرية، ومهندس حرب اكتوبر الحقيقي الفريق سعد الدين الشاذلي في مذكراته عن الحرب التى اتهم فيها السادات باتخاذ قرارات خاطئة رغماً عن نصائح جمع من المحيطين به أثناء سير العمليات على الجبهة. هذه القرارات أدت إلى التسبب فى الثغرة، وتضليل الشعب بإخفاء حقيقة الثغرة، وتدمير حائط الصواريخ، وحصار الجيش الثالث لمدة فاقت ثلاثة أشهر، بحيث كانت تصلهم الإمدادات تحت إشراف الجيش الإسرائيلى.

 وبعد هذه المذكرات، تلاحقت الشواهد والحقائق، وتبين أن العالم العربي كان يعيش أكبر كذبة في تاريخه المعاصر اسمها "نصر أكتوبر"، وأن العرب جميعا ظلوا مخدوعين في شيء اسمه "خير أجناد الأرض"، لدرجة أن الرئيس حسني مبارك امتد على الحكم لسنوات بشرعية "الضربة الجوية". كم صار الأمر يبدو مضحكا.

نعم، لقد انتصر المصريون على إسرائيل بفضل جواسيسهم الأبطال في قلب الدولة العبرية، ولكن في الأستوديوهات لا في أرض المعركة، تماما كما قال الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل: "جواسيس مصر الذين لهم قيمة عالية في إسرائيل هم موجودون فعلا، لكن في المسلسلات فقط". شاهدنا انتصارهم على التلفزيون ودور السينما وصدقناها، ونسينا أن ما نراه مجرد خيال سيناريست ومخرج وانفعال ممثلين. 

المصريون يتقنون التمثيل، ولهذا نصدقهم حين يكذبون. ومن أبر الأكاذيب التي صدرها لنا الإنتاج التلفزيوني المصري وصدقناها لسنوات هي كذبة "رأفت الهجان". فكثير من أبناء جيلي تتبعوا حلقات هذا المسلسل والذي بث التلفزيون المغربي الجزء الاول منه خلال رمضان من سنة 1991.  ومن افتتاننا بأداء محمود عبد العزيز وإيمان الطوخي لم ننتبه إلى المغالطات التاريخية التي بدأت تظهر من أولى الحلقات، ومنها أن المخابرات المصرية تنبش في سير كل اليهود المصريين الذين استقروا بالمغرب، من ثم رحلوا إلى إسرائيل بعد احتلال المانيا للمغرب خوفا من جحيم المحرقة. والحقيقة أن المغرب لم يتعرض إلى أي تدخل ألماني. فلا أدري ما الذي يجعل مؤلف المسلسل ينشر مغالطات تاريخية، وهو الذي من المفروض أنه يكتب سيرة شخص حقيقي، سيرة غيرية من أهم شروطها توخي الدقة والصدق المطابق للواقع. لكن في المسلسل أكاذيب فاضحة. 

فقد رحل رأفت الهجان الى اسرائيل باسم جاك بيتون و ليس باسم ديفيد شارل سمحون كما جاء في المسلسل.

في المسلسل زعم المصريون أن رأفت الهجان سلم لمصر التفاصيل الكاملة، وتوقيت حرب نكسة 1967، و لكن كتاب سامي شرف مدير مكتب جمال عبد الناصر للمعلومات نفى توصل مصر بأية معلومة استخباراتية عن حرب 67.

رأفت الهجان سلم لمصر تفاصيل انشاء السلسلة الدفاعية باسم خط "بارليف" نسبة إلى "حاييم بارليف" القائد العسكرى الإسرائيلى الذى تولى قيادة سلاح المدرعات أثناء العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، وتكلف بناء الخط الدفاعى حوالي 500 مليون دولار، وأنه بفضل هذه المعلومات تم تحطيم هذا الجدار بسهولة. والحقيقة أن  صاحب فكرة تدمير خط بارليف المنيع بمضخات المياه بدلا من القنابل النووية تعود للواء باقي زكي يوسف المهندس المسيحي، والذي أوضح  أن "قانون نيوتن كان كلمة السر وراء تحطيم هذا الجدار".  

في المسلسل احتفاء عظيم برأفت الهجان بعد مماته كواحد من أعظم الشخصيات المصرية عبر التاريخ، وفي الواقع، بعد وفاته بالسرطان، بماذا كافأت مصر رأفت الهجان؟ كافأته بأنها أوكلت للممثل المصري إيهاب نافع الضابط في المخابرات المصرية، المتمتع بوسامة الاوروبيين بعينيه الزرقاوين أن يوقع أرملة الهجان في شباكه، ليتزوحا 6 اشهر بعد وفاة زوجها، ويتم الانفصال سنة 1989 بعدما نفذ الممثل الضابط المهمة المطلوبة؛ حيث قام بتحويل كل أملاك رأفت الهجان باسمه، مما جعل أرملته فالتراود بيتون تحمل المسؤولية لبعض الأشخاص النافذين في الحكومة المصرية بإخفاء ممتلكات زوجها، و تتهمهم بالتصرف في ثرواته بدون موجب حق. و هم الأشخاص ذاتهم الذين تتهمهم فالتراود بيتون بالوقوف ضد حق ابنها دانيال في الحصول على الجنسية المصرية من خلال التشكيك في صحة نسبه إلى أبيه رأفت الهجان الذي كان غير قادر على الإنجاب ـ كما ادّعوا ـ نتيجة إصابته بمرض يؤدي إلى العقم. قبل أن يخرج ايهاب نافع بنشر سلسلة من المقالات في جريدة الأهرام أشار فيها إلى أن دانيال ابن رأفت الهجان ماهو إلا  عميل لجهاز المخابرات الإسرائيلية.

 ليس رأفت الهجان وحده هو الذي يدفع الثمن، تقول فالتراود بيتون. بل هي و ابنها كذلك. أما المستفيد الحقيقي، فهي المخابرات المصرية التي سطت على أملاك زوجها بعد وفاته، وعصابة فنية راكمت الثروات من وراء المسلسل الذي اُنجز حول حياته، والذي يتضمن الكثير من الأكاذيب و الحكايات المُختلقة ما يجعله مسلسلا، تقول فالتراود، شبيها بأساطير ألف ليلة و ليلة.

المصريون يتقنون التمثيل، ولهذا نصدقهم حين يكذبون. وهذه المرة لن أصدق، ولن أحتفل اليوم بنصر العرب ذات أكتوبر.

Facebook : Achraf Ben Jilali

Email.       : [email protected]

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

92 requêtes en 1.077 secondes
‪‬‏