في مصحة خاصة بالدار البيضاء كان أبي يستحق أفضل

في ظل النقاش الذي أثاره الفيديو الفضائحي الذي التقطته السائحة الفرنسية لمستعجلات مستشفى 20 غشت بالدار البيضاء، 

وصلتني ايميلات من مواطنين داخل وخارج الوطن يروون فيها مشاهدات صادمة سواء في مستشفيات عمومية أو خاصة. كنت أستعد لمشاركتها معكم، غير أني وجدتني – كي أكون أكثر أمانة – أستحضر ما عشته شخصيا، وأرغب – برغم ما تفتحه من جراح عميقة – في أن أقاسمكم إياه. 

أتذكر تجربة قاسية عشتها مع والدي في مصحة خاصة بالدار البيضاء، ركّزوا أرجوكم، قلت مصحة خاصة.

في شهر  نونبر من سنة 2015 حملت والدي على سيارة إسعاف إلى مستعجلات مصحة خاصة بالدار البيضاء. كان في حالة حرجة بعد أن ارتفعت درجة حرارة جسمه بشكل مخيف مصحوبة بهذيان. وصلنا، وقبل أن يكشف عليه طبيب المستعجلات، دخلت سيدة من طاقم المستشفى، وسألتني ببرود عن علاقتي بالشخص المريض، أجبتها: أبي. ثم بنفس البرود سألت: ما هي مهنته؟ صُدمت وسألتها: ما علاقة مهنة والدي بأبي؟ لم ترد بل كررت السؤال ببرود: ما هي مهنته؟ وعندما أخبرتها مستسلما، شمّرت عن ساعديها، وطلبت مني الانتظار.

وأنا أنتظر، جاءني إداري بالمستشفى، وسألني إن كنت أنا من طلب من رجل الإسعاف نقل الوالد إلى هذه المصحة بالذات أم أن طاقم سيارة الاسعاف من اقترح علينا المصحة؟ مرة أخرى جعلني سؤال أفقد صوابي، كيف لطاقم سيارة الاسعاف أن يقترح علي أي مصحة أحمل إليها الوالد؟ لم أجبه، وفهم استغرابي، فعلمت فيما بعد على أن المصحة تخصص 200 درهم لكل سيارة إسعاف تجلب مريضا إليها، نعم 200 درهم لكل مريض

كان والدي يعاني من جلطة دماغية، وكنا أجرينا له قبل يومين فحوصات وتحليل سلمت تقاريرها ونتائجها لأحد الممرضين، ففوجئت لاحقا بأنهم أجروا فحوصات شديدة لوالدي غير مبالين بأن المصابين بالجلطة يجب أن يتفادوا أجهزة الأشعة الحمراء، وأجهزة سكانير التي ثؤثر على الدماغ، ولديهم ما يؤكد بأنه مصاب بجلطة دماغية. وفلما سألت الممرضة: لماذا هذا الإجراء وأنتم تتوفرون على تقرير طبي كامل أجريناه قبل 48 ساعة فقط؟ ردت بكل وقاحة: " ياك عندو La mutuelle ؟علاش معصب راسك؟"

في اليوم الاول بالمصحة طلبني دكتور الدماغ، وأصر على مقابلتي بأحد المكاتب ليخبرني بأن حالة والدي مستعصية، ويحب إجراء عملية جراحية مستعجلة، وأنه سينتظر ردي غدا.

انصدمت، فاتصلت بالبروفيسور محمد بوستة الذي كان يتابع حالة والدي في البداية أي منذ اليوم الأول لإصابته بالجلطة. اتصلت به، وأخبرته بما قاله لي طبيب المصحة. فطلب مني أن أزوره حالا ومعي تقريرهم الطبي الجديد، ليرى ما إذا كان والدي فعلا يجب أن تجرى له عملية جراحية في الدماغ. وأصررت على أن يجريها هو بنفسه إن كانت ضرورية.والعملية تكلف حوالي 10 ملايين سنتيم.

ذهبت إليه، ومددت له كل الوثائق. استغرق دقائق في مشاهدة كل وثيقة بتمعن بما فيها الصور الإشعاعية، ليخبرني بهذه المقولة التي لازالت في ذاكرتي Qu il laisse  Votre Papa . Tranquille و هنا احترمت هذا البروفيسور،وأكّد لي أنه طبيب إنسان، حيث أكد أن والدي لا يتوجب عليه إجراء أية عملية، لأن المشكل يتعلق بميكروب في الدم تسبب له في ارتفاع درجة حرارة جسمه.

في اليوم الموالي، وعلى الساعة السابعة صباحا وجدت طبيب الدماغ بالمصحة على أحر من الجمر ينتظرني لأخبره عن قرارنا بشأن العملية. فأخبرته بأن طبيبه الخاص قرر ألا جدوى من العملية، وأن سبب وجود والدي بالمصحة لا علاقة له بالدماغ وإنما بوجود ميكروب بالدم. حاول أن يقول شيئا، لكنه انتبه إلى مرور زميل له فناداه وهرب مني.

خلال مدة الانعاش، كنت في كل مرة ألاحظ إهمالا في رعاية والدي والمرضى. كم من مرة زرته فيها ولاحظت أنه تقيأ على ملابسه، ولم يبال بأمره أحد، ولا نظف القيء أحد. ولاحظت أنهم يضعون الأكل إلى جانبه وينصرفون، مع علمهم أن والدي لا يستطيع تناول الطعام بمفرده. وعندها، طلبت من الطاقم الطبي الانتباه إلى والدي أكثر، وأعفيتهم من إطعامه، حيث قررت حمل الوجبات إليه في الوقت المناسب، والحرص على إطعامه بنفسي.

بعد هذا، ناداني البروفيسور "ح" ليخبرني بأن والدي سيغادر الانعاش، وسيبقى بالمستشفى لمدة 10 أيام، ولكن في غرفة عادية. ثم سألني إن كنت أود أن يزوره كل يوم، ويشرف عن قرب على حالته الصحية، قلت بفرح: طبعا، أود ذلك. وشكرته. فقال لي بنبرة لا يمكن أن انساها: "حسنا، يحب أن أدفع له 1000 درهم عن كل يوم. أي ما مجموعه 10000 درهم، وأن يكون الدفع نقدا، وأن يبقى الأمر سرا بيني وبينك". وليكمل مشهد الخبث هذا، منحني اسم دواء لا يوجد إلا في أوربا، وطلب مني إحضار أربع علب منه على عجل ليتناوله والدي بطريقة السيروم. 

دخلت على محرك غوغل لأعرف ما فائدة هذا الدواء لاكتشف المصيبة أن هذا الدواء يوصف لمرضى السرطان،  ووالدي غير مصاب بالسرطان، فلماذا أصر الطبيب على طلب هذا الدواء رغم أن كل التحاليل لا تشير إلى مرض السرطان؟

وبعد كل هذا، وهو بعض مما وقع من عذابات نفسية ومادية… مات أبي. مات حبيبي رحمة الله عليه، وفي القلب جرح عميق.

 نعم، الأعمار بيد الله، لكني أعتقد بأنه كان يستحق معاملة أفضل… معاملة إنسانية أفضل.

هذه الإنسانية هي أهم ما ينقصنا داخل مؤسساتنا الصحية. بغض النظر عن التجهيزات والإمكانيات، إن الرحمة والحنان واللطف والتقدير ونكران الذات والحرص على سلامة الإنسان وصون حياته… قيم لا تحتاج إلى ملايير لشرائها، ولا إلى مخططات استعجالية لتحقيقها. ماذا لو اجتمعت الاثنتان؛ الإمكانيات والإنسانية؟

هذا ما عشته شخصيا قبل أسابيع في مستعجلات مستشفى عمومي بامريكا  شهر يوليوز المنصرم  وما رأيته يستحق أن يروى في المقال القادم.

هل تريدون سماع التجربة؟ 

Facebook: Achraf Ben Jilali / Email: [email protected]

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

92 requêtes en 1.088 secondes
‪‬‏