غزلان أنور..الأنثى التي كسرت الطابو بجرأة الرجال

إن قادتك الصدفة ـ أو عن سبق تخطيط ـ لتشاهد برامج قناة تيلي ماروك، لابد أن يستوقفك برنامج يحمل عنوانا جذابا مغريا اسمه "طابو". وإذا شاهدت حلقة واحدة كما شاهدتها أنا، فتأكد بأنك ستبحث عن باقي الحلقات على اليوتيوب أو تنتظر الحلقة القادمة 

وللأمانة، فقد أسرني البرنامج بحلقتين واحدة عن عالم السيدا، والثانية عن عالم التجميل بالأدوية الشعبية، حيث تأكدت من أنني بصدد برنامج يستحق المتابعة.

خلف هذا البرنامج، تقف شابة مغربية اسمها غزلان أنور، أنثى رقيقة جميلة لكنها قادرة على اقتحام كل عوالم القبح والبشاعة. تتنكر في زي مواطنة معنية بالعالم الذي تقتحمه، وببرودة أعصاب رهيبة، وبذكاء احترافي عال، وبتقمص مذهل للشخصية، تتمكن غزلان من رصد أدق التفاصيل بخصوص الطابو الذي تكسره.

يكفي العنوان دافعا إلى امتلاك الجرأة والشجاعة لتنجح صاحبته في مهمتها، ولقد امتلكتهما غزلان ونجحت… لكن، من أين استمدت كل هذه الجرأة لتقتحم عالما سريا استعصى على النساء؟

تتحدث غزلان عن طفولتها وكيف تربت على الشعور بالثقة بالنفس في وسط أسري يعطي الحق للبنت في إبراز وجودها كما يحق للولد. درست بإعدادية 2 مارس  بالدار البيضاء، ثم ثانوية الإمام البخاري بعد حصولها على الباكالوريا، كانت رغبتها شديدة في الالتحاق ب"المعهد العالي للصحافة" أو هكذا يسمونه، لكنها وجدت معارضة شديدة من والدتها، فقد رفضت أن تنفصل عنها ابنتها وتعيش في العاصمة أو حتى تغيب النهار كله وتستقل القطار آخر كل مساء، لذلك دفنت في قلبها حلم الصحافة والتحقت بالجامعة، بكلية الحقوق ودرست ثلاث سنوات، كان مسارها جيدا كطالبة لا تجد صعوبة في النجاح، وخلقت عالما جميلا مع طلبة مثقفين وعلى مستوى عال، لكن الرغبة الأولى لم تمت، فمنذ صغرها وهي مغرمة بحمل الميكرفون والوقوف أمام المرآة.

وفي أوقات كثيرة كانت تغني، وهي بالمناسبة دارسة للموسيقى وذات صوت لا يسع المجال للتفصيل فيه. بعد حصولها على الإجازة كانت رغبتها القديمة تكبر فيها كل يوم كل سنة حتى بلغت حجما لم تعد قادرة على تحمله. صار مشوار حياتها  ببدو طويلا جدا ومتعبا، وكأن طيلة سنوات  دراستها بكلية الحقوق كانت تطرح سؤالا : "ماذا أفعل هنا"؟ كانت والدتها تدرك هذه الرغبة ولهذا ظلت تحاول قدر الإمكان أن تبعدها عن التفكير في الصحافة، فلم تعد غزلان قادرة على الصمت، وقالت لوالدتها: "أمي، سأكلمك كما تكلم المرأة المرأة، لا أستطيع الاستمرار في هذا. إن كنت تريدين أن تغامري معي ببعض المال، فسانديني في الدخول إلى معهد الصحافة". وبعد تردد وافقت الأم.  "لم أنم لليلتين متتاليتين من شدة الفرح" تقول غزلان.

وهكذا تحقق الحلم، ومنذ اليوم الأول كانت تزاوج بين قاعة الدرس والعمل الصحفي بالخارج، تحضر الندوات والأنشطة الفنية والثقافية والسياسية والاجتماعية، فعملت متدربة في عدة جرائد، واشتغلت وهي طالبة بأحد المواقع، فاكتسبت ما يكفي من التجربة لترصد وتحرر وتعلق وتقف أمام الكاميرا. لكنها لم تجد الفضاء  الواسع الأرحب الذي تبسط فيه جناحيها. وكانت "تيلي ماروك" الفضاء الذي ظلت تبحث عنه.

تقول غزلان عن مدير القناة رشيد نيني: "بكل موضوعية، لقد منحني كل الحرية دون قيود وحتى دون تحفظات. وله الفضل في منحي هذه الصورة التي أنا عليها".

هكذا إذن؟ كم تشبه غزلان أنور الصحفية الفرنسية أنا أريل التي تقمصت شخصية فتاة في العشرين وقضت أكثر من شهر وراء حاسوبها تتحدث مع احد قادة داعش، وقبلت السفر من اجل الجهاد، وفعلا التقت بالداعشي في تركيا… 

غزلان تشبه أنا أريل في الثقة وفي الجرأة وفي الحماس. ووحدها الأيام ستثبت ذلك.

ثلاث حلقات من "طابو" تؤسس لمنتوج إعلامي جاد ومثير نفتقده في تلفزيوننا العمومي. قد يكون برنامج 45 دقيقة أو برنامج تحقيق من ذات العائلة التي ينتمي إليها "طابو. لكن "طابو" مختلف، أشياء كثيرة فيه مختلفة، لعلها الأنثى التي تغامر وتتسلل وتستنطق وتتحقق هي ما يعطي للبرنامج دهشته الخاصة.

شكرا غزلان أنور على "طابو".

أشرف بن الجيلالي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

94 requêtes en 0.675 secondes
‪‬‏