عبد الله الوردي: هل يستحق أن يكون تحت دائرة الضوء

أشرف مجدول

منذ بداية حالة الطوارئ الصحية، تقاطرت الفيديوهات من مختلف مناطق البلاد تغطي تدخلات رجال السلطة لفرض تدابير الحجر الصحي، سواء تلك التي يصورها مواطنون خلسة وتكشف حجم التجاوزات التي واكبت هذه التدخلات، من الصفع إلى الشتم… أو تلك التي أريد لها أن تقدّم مدى العمل الجبار الذي يقوم به هؤلاء الجنود، حماية للشعب من تفشي وباء قضى على الآلاف في أكثر البلدان تقدما.

 ولقد كان ملفتا للانتباه حرص رجال السلطة على السماح للصحفيين أو ممثلي المنابر الالكترونية بالتواجد في عين المكان إلى جانبهم، من أجل نقل ما يقومون به إلى كل مكان في هذا العالم، مما منح الشهرة لعدة وجوه سترتبط دائما بهذه الجائحة كالقايدة حورية وقايدة اليوسفية والقايدة البوكوصة… ولا حظنا كيف ظلت هذه المنابر تكتفي بتلميع صورة المتدخلين، وتتفادى توثيق ما يعتبرا خروقات تستوجب المساءلة.

لكن ماذا عن رجال السلطة من أعلى مرتبة إلى أدناها من الذين ينزلون إلى الميدان، ويقومون بمهمتهم على أكمل وجه دون أن يسعوا إلى استدعاء “الصحافة” لتوثيق عملهم، ودون حاجة إلى أن يعرف العالم كيف يؤدون واجبهم بإخلاص؟ فكم من هؤلاء يسهر على أمن وسلامة الناس بمنتهى الكفاءة دون أن يعرف أحد اسمه، أو يرى وجهه على الإنترنيت. ومن هؤلاء المسؤول الأمني الأول على أكبر المدن المغربية..؟ إنه السيد عبد الله الوردي والي أمن مدينة الدار البيضاء.

السيد الوردي هو من طينة الرجال الذي يفضلون العمل في الظل رجل لم تسلط عليه الأضواء مصداقا لقوله تعالى (لا نريد منكم جزاءا ولا شكورا). إيمانه بالواجب المهني شغله عن التفكير في تصدّر الواجهة، وليست هناك فرصة أكبر من هذه الطوارئ لتملأ صورته المواقع على مدار الساعة لو أراد.

الكثير من البيضاويين يعرفون أن نزوله إلى الشارع بنفسه أمر اعتيادي. اعتادوا على أن يسمعوا بين الفينة والأخرى بوجوده في حيّ أو في درب. وعيه العميق بالمسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتقه جعلت منه رجل الميدان بامتياز، فهو ليس بالمسؤول الأمني الكبير الذي يفضل البقاء في الطابق السادس حيث مكتبه، ويكتفي بإعطاء الأوامر فقط.

هو ليس كذلك، وجماهير المدينة تدرك جيدا هذا. ففي كل ديربي بين الرجاء والوداد أو في أية مقابلة من المقابلات الكبرى التي احتضنتها العاصمة الاقتصادية، كان المسؤولون الأمنيون السابقون يفضلون حجز كراسيهم مع الشخصيات من مسؤولين ورؤساء الفرق لمشاهدة المباراة. يجلسون طيلة دقائق المباراة متفرجين، ويتكلف نوابهم أو المسؤولون الأمنيون بالسهر على أمن وسلامة الجمهور والملعب. لكن سي الحاج ـ كما يلقب بين معارفه او س 1 عند العناصر الأمنية ـ لم يكن له في الملعب كرسي محجوز. هو دائم الحركة، يقف عند كل صغيرة وكبيرة، حيث يشاهد يوم المباراة يجوب الشوارع المؤدية إلى مركب محمد الخامس، ويحل بالملعب في الساعات الأولى لبداية التحضيرات، ولا يجد أي حرج أن يقف في الباب ويعمل على سؤال الداخلين إلى الملعب عن تذكرتهم. أما عند ملاقاته للقاصرين، فإن تطبيق القانون يكون حاسما، وإن أغضب الكثيرين.

خلال المباراة يتنقل السيد الوالي بين كل جنبات الملعب، وعيناه ترصدان، وبحسه الأمني يمكن أن يرسل إشارات لباقي العناصر الأمنية عبر الجهاز، ويرسل تعليماته وملاحظاته عن عناصر أو عن تجمهر بعيد عنه، و يأمر العناصر بالتدخل. حتى أن المباريات تبدأ وتنتهي في جو بعيد عن الشغب، ولا تجد في آخر النهار صوره تتصدر المواقع، ولا في اليوم الموالي اسمه في الصفحات الرياضية. ألم نقل إنه لا يحب الأضواء؟

خلال جائحة كورونا حيث الكل ملتزم بالبقاء في البيت، لا غرابة أن تجد السيد عبد الله الوردي في الشارع العام بزيه النظامي أو زي الحرب كما يطلق عليه، وهو وسط العناصر الأمنية. فتارة تجده في منطقة أنفا، وتارة تجده في منطقة مولاي رشيد أو البرنوصي… يصدر التعليمات، يفرض الالتزام، يصحح الاختلالات، يتصدى للخروقات، ويقدم ملاحظاته… كل هذا دون أن تكون هناك هواتف وآلات تصوير تركض خلفه.

فمنذ جاء عبد الله الوردي واليا للأمن بالنيابة بعد إعفاء سلفه عبد اللطيف مؤدب، وضع ضمن أولوياته محاربة الجريمة، بلا إشهار أو ضجيج أو بهرجة. فظل يشتغل في صمت، محاربا الجريمة المنظمة دون أن يسلط على نفسه الأضواء. ففي عهده وقعت أحداث هزت الشارع البيضاوي، ولكن تم فك لعز هذه الجرائم في وقت قياسي. نتائج عمله شهدت به منظمات دولية، حيث أن الدار البيضاء سنة 2015 حسب مؤشر نومبو للجريمة صنف مدينة الدار البيضاء كأخطر المدن في العالم وجاءت في المرتبة 67 عالميا، من أصل 416 مدينة كإحدى أخطر المدن العربية بعد بنغازي والجزائر العاصمة. ولكن خلال سنة 2019 صنّفت مدينة الدار البيضاء في المركز 86 عالميا في مؤشر الجريمة العالمي، في تطور ملحوظ يستحق التنويه.

عبد الله الوردي شغل منصب والي الأمن بمدينة الدار البيضاء بالنيابة وكان يشغل منصب مراقب عام، إلى أن تمت ترقيته بشكل رسمي إلى منصب والي أمن المدينة ذاتها، بعدما تم التمديد له في الخدمة بسبب بلوغه سن التقاعد سنة 2018. هذا التمديد أكبر دليل على كفاءته التي تجسدت نتائجها واقعا. فالمدير العام للأمن الوطني السيد عبد اللطيف الحموشي يؤمن بدور الشباب في تحمل المسؤولية، ولكن إذا كانت لديك قامة أمنية بكفاءة وتجربة عبد الله الوردي، فليس جيّدا التفريط فيها، فهو يعرف أن أمثال الوردي مدرسة حية ستسلم المشعل للخلف، من الذين يستحقون أن يحملوه.

 كان هذا ضوء صغير سلّطته على رجل يكره الأضواء، لكنه يستحق جدا أن يكون تحت دائرة الضوء

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

87 requêtes en 0.697 secondes
‪‬‏