صديقي ” الصحافي “

elfakak

صدفة التقينا لنجلس جنبا إلى جنب وقد فرقت بيننا الأيام و كنير من المواقف .. فكانت مناسبة لنتجاذب أطراف الحديث حول ظروف الاشتغال و بعض المستجدات و بعد أن تأكد من أني مازلت أعيش كما عهدني : قديما بأفكاري و بأني أعتقد بتلك المبادئ ” البالية ” لم يخجل من نفسه وهو يخبرني بأن السلطة لا تنظر لكتاباتي بعين الرضا .. ! فصارحته بأننا في البلد الكريم عقدنا العزم على أن نؤسس بمعية الشرفاء لسلطة الإعلام .. تلك السلطة التي ستبسط نفوذها في مجتمع الإعلام و المعرفة حيت السيادة للرأي العام ن كما أننا ننبذ إعلام السلطة الذي يلعب دور المداح و يكرر لازمة ” العام زين ” ؟ طبعا لم يتقبل هدا الكلام فانحنى على كتفي لينصحني مستهزئا : “لقد دخلت ميدان الصحافة في منتصف الثمانينات و بدأت العمل الجمعوي مبكرا .. لكنك لم تستفيد شيئا .. كما أنك لم تستطيع أن تشتري شقة لأبنائك الشبه يتامى .. بل حتى أنك لم تمتلك سيارة قديمة إلا مؤخرا و هي في عطل دائم .. اسمع يا صديقي عليك أن تغير من أسلوب كتاباتك كي تتغير أحوالك المادية .. فأصدقاءك يمتلكون أموالا ضخمة و سيارات فخمة .. ” لكني فاجأته : بأنه علينا أن يجتهد كثيرا حتى نتمكن من أن نغير من أسلوب تعامل السلطة مع الإعلام مهما كان الثمن .. فكثيرون ممن وصفتهم بالثراء و أنهم تحينوا الفرص تراهم اليوم طواويس شامخة وما هم في الواقع إلا ذيول تافهة تتحرك بالأوامر و التعليمات .
لم يكن صديقي ليهتم بما قلت .. لكنه استرسل في حديثه عن الفرص الكثيرة التي أضعت بسبب تعنتي كما أشاد كثيرا بالتعاون الذي يحصل بين الإعلام و السلطة زاعما بأن دلك يصب في مصلحة الوطن ، فأجبته متأسفا أنه في زمننا هذا و بفعل دلك التعاون ” المشبوه ” الذي تحدت عنه فلم يعد هناك فرق كبير بين السلطة و الإعلام بل هناك تزاوج بينهما وفق ما يخدم مصلحة من لا مصلحة له .. لأنه و بكل بساطة لا يمكن أن نضع البيض كله في سلة واحدة .. فعمل رجل السلطة أبعد بكثير من عمل رجل الإعلام .. فالتعاون الذي يمكن أن يحصل هو أن يزود الأول الثاني بالمعلومات التي من شأنها تمكين المواطن من الإطلاع عما يجري و يقع حوله .. لا أن يقع العكس؟ و رغم دلك فقد أكد لي هدا الصديق ” الوفي ” بأن في التقرب من السلطة و تلميع صورتها الكثير من الخير للإعلام و البلد .. لأنه في النهاية كلنا في خدمة المواطن .
نعم قد يحتمل هدا الكلام بعض الصدق لكن لزاما علي أن أذكره. ” بأن الدين قضوا عقودا طويلة يدفعون للأقلام المأجورة التي دأبت على تصويرهم كأبطال و زعماء تاريخين ،لم يخطر على بالهم أبدا أن سحر الإعلام قد ينقلب يوما ما على الساحر، فسقط الأقنعة ، لينكشف كل شيء و تبدو الحقائق جلية للرأي العام .. و هدا ما يحدث الآن في بلد يخطو بتبات في اتجاه ترسيخ قيم الحداثة و الديمقراطية ، و مع دلك فقد انتفض محتجا ” بأن الدولة هي من يدعم الإعلام و يمنحه المال اللازم لأداء رسالته في أحسن الظروف ” إلا أني لم انفعل بل أجبته بهدوء بان هدا المال الذي تتحدث عنه هو مال عام و ليس من جيب رئيس أو حاكم .. او من خزائن السلطة ، بل إنه مال الشعب، لهذا ينبغي أن يكون هدا الإعلام،إعلاما شعبيا ملتزما بقضايا الوطن و الطبقات الشعبية و بالتالي عليه أن يقف إلى جانب الشعب قبل السلطة .. تم إن الدولة الديمقراطية تمنح الصحافة و الإعلام حريات غير مقيدة و صلاحيات واسعة ، قبل أن تمنح أموالا و هدايا مسمومة . .. لكنه سألني مستفزا : و ما دور الإعلام إن لم يكن في خدمة البلد ؟ فأكدت له بأن على الإعلام ان يعمل على كشف المستور و ان يهتم بصناعة الرأي العام بدل الانشغال بتمجيد رجال السلطة أو تزيين أفعالهم بعمل الماكياج .. كما زين لهم الشيطان أعمالهم

و رغم دلك لم يتردد في أن يصب علي جام غضبه منتقدا : ” مشكلتك أنك أناني و لا تفكر في مصلحة أسرتك .. ” تم صرخ في وجهي مهددا :”بأنه علي أن أعلم بأن هناك الكثير ممن يعتقدون أنفسهم ” مناضلين ” قد تمت تصفيتهم ، أو غيبوا خلف قضبان السجون والمعتقلات .. و لم يعد يذكرهم أحد .. ” فأجبته و أنا أجمع أنفاسي : ” بأن مشكلة الفاسدين المهووسين بالسلطة من أمثالك يعتقدون يأتهم الأقوى و لا يهلكهم الدهر و بأنهم باقون إلى قيام الساعة .. لكن هيهات تم هيهات ، فلا أمل اليوم في إخراس الإعلام الحر مادام ينشد الحق والحقيقة والفضيلة و لا يخشى في الله لومة لائم … ولا لؤم لئيم ، أيها الصديق الوفي .

بقلم عبد الحق الفكاك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

87 requêtes en 2.725 secondes
‪‬‏