ساسة آخر الزمان

mm

قديما كان الكثيرون وخاصة منهم العلماء و رجال الدين يجدون حرجا كبيرا في تولي أمور العباد ، لدلك منهم من لزم بيته لا يبرحه حتى يأتيه خبر إعفاءه ومنهم من تجده قد أسرى بأهله وعياله مفضلا الرحيل على البقاء، لا حجة لهم في دلك إلا أنهم يخشون على أنفسهم أن تلتهمهم ألسنة الناس أو الوقوع في المحظور . ولأن السياسة في نظرهم يختلط فيها الحابل بالنابل وقد راح ضحيتها العديد من الرجال حيث يتذكرون بألم شديد ما حدث مع بعض المبشرين بالجنة رضي الله عيهم جميعا : عندما اغتيل أشهر رجل عدلا عمر بن الخطاب، وطعن بالخنجر أطيب الرجال وأتقاهم في مصلاه عثمان بن عفان وسقط باب مدينة العلم علي بن أبي طالب مقتولا في شهر الصيام كما قطع رأس أحد شباب أهل الجنة الحسين بن علي حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان عبد الله بن الزبير أول مصلوب في الإسلام يعلق على جدران الكعبة ظلما وعدوانا وسجن وجلد إمام دار الهجرة مالك بن أنس والقائمة طويلة . فلا عجب – إدا – أن تجد المرء يجف حلقه كلما سمع بخبر تعينه في منصب الولاية أو القضاء ، فيمسي ولا يصبح خشية على نفسه من أن يصيبه مكروه ولسان حاله يقول: ألا قاتل الله الساسة والسياسيين .. ألا قاتل الله الساسة والسياسيين . طبعا تلك أيام قد خلت بمرها وحلوها ، و لكم روى التاريخ عن أناس خربت بيوتهم، وشعوب أبيدت بسبب السياسة وأخواتها . وقد كان دلك حالهم إلى الأمس القريب إلى أن تبدلت الأمور و أصبح الناس على غير عادتهم يقيمون الأفراح والليالي الملاح ، كلما ظهر فيهم من ينوي الترشح لعضوية برلمان أو مجلس جماعة . فتراه يجوب شوارع المدينة طولا وعرضا لا يهدأ له بال ، يعترض المارة من المواطنين و يستجدي أصوات الناس ، وهو على تلك الحال إلى أن يحل يوم الاقتراع.. بل منهم من يقدم الذبائح والهدايا فيقوم خاطبا في من حشد من الأتباع بأنه وحيد زمانه ونابغة عصره ، يعدد خصاله ومكارم أخلاقه بلا حياء.. و هو في تلك الحالة لا يمل ولا يكل .. بل يظل يوزع الوعود والعهود يمينا وشمالا غير مبالي بما كان أو سيكون ،همه الوحيد هو الظفر بدلك المنصب مهما كان الثمن .. وإذا كان يوم الاقتراع وخسر النزاع فلا يتردد في أن يهدد و يعربد ..و أما إدا فاز أحدهم وحاز تلك العضوية أقام حفلة الوداع : فيأكل الناس ويشربون تم يتفرقون وهم موقنون بعدها بأن الرجل سيختفي لا محالة ولن يظهر له أثر إلا في المحافل والمناسبات و بالتالي لن يقوى أحد حينها على الاقتراب منه والتحدت إليه إلا مضطرا أو من وراء ستار. وشتان بين الأمس واليوم .. فولاية الناس صارت لعبة تحكمها قواعد الانتخابات .. بعدما كانت تسند وفق الكفاءة و التبحر في العلم و الدين و ربما هدا ما جعل الكثيرين يبتعدون عن السياسة ويرفضون الخوض فيها، وهنا يكمن الرهان الأكبر الذي يواجهنا جميعا في زماننا هدا :

وهو كيف نرد الاعتبار لمؤسساتنا السياسية كي تلعب دورها كاملا بعيدا عن دغدغة العواطف و الارتزاق السياسي .

بقلم عبدالحق الفكاك

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

82 requêtes en 0.831 secondes
‪‬‏