“زحيليكَة” لا تستحق، يا تغوان

 

ربما كثير من المغاربة سمعوا مرة من يقول: "مالي جاي من زحيليكة"؟ أو ربما رددوا أيضا: "نتا مالك كيسحاب ليك جاي من الزحيليكة". وتقال كناية عن منطقة افتراضية في مكان ما من البلاد خارج الزمن والحضارة، وبعيدة جدا عن المركز. والقليل القليل من هؤلاء من يعرف بأن "زحيليكة" ليست منطقة من صنع الخيال لضرب الأمثال، وإنما هي منطقة حقيقية موجودة في الواقع. "زحيليكة" اسم جماعة تأسست  منذ سنة 1911، أي قبل سنة من فرض الحماية على المغرب، و كانت تسمى حينها  "كريستيان" نسبة إلى ضابط فرنسي قتل ضمن قتلى القوات الفرنسية في مواجهة مقاومة قبائل منطقة زعير. والأكثر من هذا أنها ليست بعيدة تماما، فهي تنتمي الى دائرة الرماني، وتحدها من الشمال جماعة الرماني، ومن الجنوب جماعة وادي الزم، ومن الشرق جماعة مولاي بوعزة، ومن الغرب تحدها جماعة لغوالم. ولها موقع استراتيجي بوجودها على الطريق الجهوية الرابطة بين وادي زم والعاصمة الرباط.

كل هذا استحضرته وأنا أقرأ رسالة توصلت بها من بعض شباب المنطقة يشتكون فيها من التهميش واللامبالاة اللذين يجثمان على أنفاس "زحيليكة". ويزداد الإحساس بالحكرة إلى درجة الغضب بوجود وزير سابق في عهد حكومة عبد الرحمن اليوسفي على رأس جماعتها. 

فمجلس زحيليكة يترأسه وزير التجهيز السابق بوعمر تغوان الذي يُعرف في صالونات السياسة باسم (الوزير بالصدفة)، ووراء الاسم حكاية يعرفها الوزير نفسه وكافة قياديي حزب الإستقلال. 

أليست صدفة مخجلة أن يكون رئيس الجماعة الحالي وزيرا سابقا للتجهيز، والجماعة تعرف هشاشة في البنية التحتية؟ ألا يشعر السي بوعمر بالخجل من نفسه حين تقوده الظروف ذات مرة إلى أرض "زحيليكة" ويسير إلى حيث يريد في طرق غير معبدة، وأرصفة غير مجهزة؟ ربما الوزير السابق لا يعطي أهمية لمشكل البنية التحتية لأنه يدرك بأنه موضوع هامشي أمام الموضوع الأكبر والمشكل الأخطر؛ وهو العطش.

لقد باتت ساكنة زحليكة مهددة بالعطش والظلام بسبب الانقطاع المستمر للماء الصالح للشرب وللكهرباء. صحيح أن المسؤولية يتقاسمها وإياه المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، إلا أن عدم تدخل رئيس الجماعة بجدية كما ينبغي له أن يفعل كممثل للسكان  جعل الوضع معقدا، وأن عجزه عن إيصال معاناة الساكنة سيزيده تعقيدا… ولربما سيضطر الناس إلى إيصال معاناتهم بأنفسهم، وبالطرق التي يرونها كفيلة بإيصال معاناتهم ووضع حد لها.

من ذا ينسى احتجاج ساكنة زحيليكة  شهر يوليوز من سنة 2016 حيث كانت الحرارة مفرطة وانقطع الماء عن حي النجاح والقشلة والبيزانة لمدة  3 ايام، وعن الزاوية والورش والكانتينا لمدة يومين… أحياء عاش سكانها بدون ماء دون أن يتوصلوا بأي اشعار عن هذه الانقطاع، ودون اعتذار بعد ذلك ولو للشيوخ والأطفال والنساء الحوامل الذين يشكل انقطاع الماء فجأة عنهم ولمدة طويلة أمرا مربكا جدا جدا.

والحديث عن علاقة الجماعة ورئيسها بالماء، تقفز أسئلة حول سد بوخميس  الذي كان مقررا  تشييده على وادي كرو، بين إقليمي الخميسات وخنيفرة. لقد وضع جلالة الملك حجره الاساس سنة 2001 في مدينة الرماني، واستمرت الأشغال إلى غاية سنة 2003، حيث توقفتْ بعد الفيضانات التي ضربت مدينة المحمدية، وتحوّلت الميزانية المالية المخصصة لسد بوخميس إلى سدِّ بوكركور لحماية المحمدية من الفيضانات بما يعني أن توقف أشغال بناء سدّ بوخميس كان مؤقتا، على اعتبار أنَّ حماية مدينة المحمدية كان أمرا مستعجلا. لكن مرت السنوات، ولم يكتمل بناء المشروع الذي عوّل عليه الملايين لتوفير مياه الشرب، إذ لم يكن المستفيدون المفترضون هم سكان المنقطة فقط، بل ساكنة الرباط وسلا أيضا، وحتى الدار البيضاء… كما كان سيوفر مياه الريِّ لمساحات واسعة من الأراضي المزروعة، علما أنّ المنطقة فلاحيّة بامتياز. 

وفي ظل هذا الترقب، خرجت  شرفات أفيلال، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالماء لتقول في البرلمان السنة الماضية إنَّ مشروع السدّ ما زال مُبرمجا، ولكن بمُعطيات تقنية جديدة، استنادا إلى مخطط مُديري لحوْض أبي رقراق والشاوية أعِدَّ سنة 2009.. مما يعني إقبارا للمشروع الذي كلفت دراسته وصفقته ملايير الدراهم بعد انطلاق الأشغال به منذ 2002 لكن لم يخرج إلى حيز الوجود بسبب عيوب تقنية. فقد اتضح أن السد لا يصلح لري الأراضي الفلاحية لوجود سدود أخرى تفي بنفس الغرض. وانكشف أيضا أن  المعطيات التقنية  التي قُدّمتْ للملك حين وضع الحجر الأساس لتشييد سدّ بولخميس كانت مغلوطة وبينها وبين معطيات الورقة التقنية التي تضمّنها المخطط المديري لحوض أبي رقراق بون شاسع فيما يتعلق بالطاقة الاستيعابية للسد، وبمساحة الأراضي المستهدفة بالري.

ومن هنا، وعودة إلى "زحليكة"ورئيسها، وجب مساءلة عمر تغوان الذي كان حينها وزيرا التجهيز عن الميزانية المقدرة  بملايير الدراهم التي أهدرت بعد أن استفاد منها مكتب الدراسات. وتجب محاسبته على تقديمه مشروعا للملك شابته علل أدت إلى توقف الأشغال، وكرّست معاناة الساكنة مع انقطاع الماء المستمر، ومعاناة الفلاحين من شح مياه الري.

وبالمناسبة يمكن مساءلة عمر تغوان عن حصوله بتاريخ 23 غشت من سنة 2002، بمقتضى عقد عرفي، على بقعة أرضية في تجزئة "الزاهرية"، تمتد على مساحة 3577 مترا مربعا، بسعر 1.323.490 درهما، أي ما يعادل 370 درهما للمتر المربع الواحد؛ وحينها كان يشغل منصب وزير التجهيز ليمنح لنفسه لقب خدام الدولة

من الواضح أن فقدانه لمقعده النيابي لم يكن كافيا ليفهم أن هناك سخطا شعبيا عارما، فقرر مجموعة من أعضاء الجماعة التي يترأسها توجيه رسالة الى منصور قرطاح عامل الاقليم يلتمسون منه فيها من خلال تطبيق المادة 64 من القانون التنظيمي 113-14 التي تشير الى مسطرة عزل رئيس مجلس الجماعة، وذلك إثر فضيحة تمويل لإحدى جمعيات الفروسية دون اللجوء إلى المساطر القانونية 

أنا لست ضد عمر بوتغوان حتى أتمنى من كل قلبي أن تحل لجنة من مفتشي الداخلية بمكتبه عاجلا، لكنني متضامن مع ساكنة "زحيليكَة"، الاسم الذي أريد له أن يرتبط بمنطقة خارج الزمن والحضارة. كلا، ايها السادة… زحيليكَة حباها الله بمنظر طبيعي خلاب، يمكن أن يحولها إلى مقصد سيحي يصنع الحياة للمنطقة ولساكنتها، كي يمكنها أن تحيا 

بكل صدق، "زحيليكة" لا تستحق هذه المعاناة، ولا تستحق هذه الصورة النمطية عنها، ولا تستحق أن يرأس مجلس جماعتها شخص مثل بوعمر تغوان.

Facebook : Achraf Ben Jilali   /  Email.  : [email protected]m

 

تعليق واحد

  1. كل هذه الأحداث التي مرة بها المنطقة إنطلاقا من ماضيها إلى حاظرها ،تتسم بتاريخ مهم هو ما جاء به في مقالكم، والأهم من ذلك هو أن هذه المنطقة لم تعرف أي تغيير بتاتا في التنمية القروية و لا المجالية و لا البشربة ،و بالتالي لايمكننا أن تكلم عن التعليم والصحة هذا موضوع أخر يعرف مشاكل كبيرة لا على مستوى المنطقة بل على الصعيد الوطني،وفي الأخير أنا أتكلم بكل موضوعية المستعمر ليس فرنسا بل هو من بني جنسك ،تم صياغة كلمة الإستعمار في حاضرنا أكثر من ماضينا…….

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

97 requêtes en 0.826 secondes
‪‬‏