حكاية مغفل مصري باختصار

أتذكر قبل سنوات، ربما في سنة 2012، كنت قد قرأت تقريرا أسود منشورا على جريدة دايلي ميل البريطانية يتعلق بزواج الخليجيين بالمصريات. كانت به حكايات تدمي القلب وتشعل الغضب لفتيات في مقتبل العمر يتزوجن بسياح عرب، ولا يدوم الزواج سوى شهر أو شهرين خاصة في فصل الصيف. يقضي الزوج الخليجي وطره ثم يعود إلى بلاده تاركا العروس (ربما بجنينها)، وأهلها يواجهون مصيرهم المظلم.

 واستحضرت أيضا حلقة للإعلامي طوني خليفة على قناة القاهرة والناس يتعرض فيها إلى مثل هذه الأحداث المأساوية بحضور فتيات كن ضحايا لهذا الاستغلال الجنسي البشع. استغلال يتداخل فيه الجنس بالإهانة وبالمال… والجاني مواطن خليجي ثري، والضحية مواطنة مصرية لا تملك إلا جسدها وشرفها.

تذكرت كل هذا، وأنا أرى عدوى هذا الاستغلال تنتقل من الخليجيين إلى بعض المصريين عديمي الشرف الذين أصبحوا يتحايلون على القانون، ويأتون إلى المغرب لاقتراف ذات الجريمة. والضحية هذه المرة لسن فتيات مصريات بل مغربيات يقعن في ذات المشاكل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية والأسرية… وقررت أن أكتب عن الموضوع حين علمت بحكاية رجل مصري. حكايته مختلفة بعض الشيء، فهو لم يكتف بالقدوم إلى المغرب والزواج بمغربية لمدة شهر أو أقل قبل الرجوع إلى غربته، بل فعل كل ذلك بوثائق مزورة قدّمها إلى السلطات المغربية.

إليكم حكايته باختصار:

اسمه م.ح.غ من مواليد الإسكندرية متزوج من سيدة مصرية فاضلة، له منها أربع بنات، مقيم بأمريكا يعمل بأوبر بعدما كان يعمل في مجال الأدوية حسب ادعاءاته.

هذا المصري دائما ما يقدم روايات يبرر بها سبب إصراره على البقاء بعيدا عن بلده وأسرته، وتفضيله العيش بأمريكا. لا يزور عائلته إلا في شهر رمضان و عيد الأضحى، على رأي الأشقاء المصريين الله يقوي إيمانك يا شيخ، ما عدا ذلك فهو دائما الغياب في أية مناسبة تعيد جمع شمل العائلة من جديد، وتعيد الأب إلى أحضان بناته وحضن زوجته.

في ظل ذلك، كان هذا المسمى م.ح.غ  قد تعرف على فتاة مغربية المسماة (ل. ب) على الأنترنت، قطع آلاف الكيلومترات ليلتقيها في المغرب أواخر شهر دجنبر 2018. وكرر المجيء أواخر شهر يونيو 2019 من أجل أن يعقد قرانه عليها رغم أنه متزوج، ولازالت زوجته أم بناته على ذمته. ولأن القانون يمنع الزواج الثاني إلا بإذن الزوجة، ولأن الزوجة لا تعلم بهذا الأمر شيئا، ولا ينبغي لها أن تعرف، فقد أوحت إليه خليلته المغربية بفكرة شيطانية وهي أن يقدم زوجها المستقبلي وثيقة طلاق قديمة من زوجته السابقة الأمريكية، وبالتالي يقدم نفسه للسلطات المغربية بوصفه شخصا مطلقا وليس متزوجا وأبا لأربع بنات. وبالفعل قدم عريس “الغفلة”  وثيقة طلاق أمريكية وهو لا يعلم أنه بهذا الفعل يعرض نفسه إلى المساءلة القانونية، وإلى المتابعة الجنائية خصوصا وأن الفصل 351 من القانون الجنائي أقر بأن تزوير الأوراق هو تغيير الحقيقة فيها بسوء نية، تغييرا من شأنه أن يسبب ضررا متى وقع في محرر بإحدى الوسائل المنصوص عليها في القانون. وبالتالي فإن الفعل الذي قام به المصري المزور بتحريض من “زوجته” المغربية يعرضه إلى المتابعة القانونية والجنائية طبقا للفصل القانوني 355 الذي يشير في فصله :

 يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات كل شخص ليس طرفا في المحرر، أدلى أمام العدل بتصريحات يعلم أنها مخالفة للحقيقة. كما أن المادة  66 من مدونة الأسرة أكدت أن التدليس في الحصول على الإذن أو شهادة الكفاءة المنصوص عليهما في البندين 5و6 من المادة السابقة أو التملص منهما، تطبق على  فاعله والمشاركين معه أحكام الفصل 366 من القانون الجنائي يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين من صنع عن علم إقرارا أو شهادة تتضمن وقائع غير صحيحة.

 فإذا كانت كل هذه الفصول القانونية تورط المصري الذي قدم معطيات مغلوطة من أجل الزواج، فأي فصل قانوني ستتابع بهذه الزوجة الذي لم تجد أي حرج في التحريض على تقديم وثائق غير صحيحة والجريمة الأكبر  تدمير أسرة أساسها أم وأربعة بنات؟

في العادة، نجد مثل هؤلاء المجرمين الذين يقترفون مثل هذه الأفعال يتسمون بالمكر، يمارسون التدليس على البنات اللواتي يقعن في شباكهم، لكن في هذه الحالة نجد أن (الضحية) لم تكن مغفلة، بل يبدو أنه هو (المغفل). ويبدو أنها ليست (مغمضة العينين) وإنما من الواضح أن لها تجربة طويلة في (فتحهما). وبالتالي فإن أي عاقل سيرى مدى الحقارة والانحطاط الذي يسبح فيها الاثنان، وهما لم يجدا أي حرج في التحايل على القانون إلى حد التزوير، من أجل نزوة دمّرت أسرة تتكون من ست فاضلة مكافحة صبورة وأربع بنات في عمر الورد يحتجن إلى أبيهن في هذه الظروف الصعبة التي ينهار فيها كل شيء من حولهن.

والأخطر بالنسبة لي، هو ما سينتج عن مثل هذه الممارسة إذا أفلت أصحابها من العقاب، حيث سيهدد مستقبلا مصير آلاف الفتيات اللواتي سيجدن أنفسهن دون علمهن منخرطات في شبكات دعارة تحت غطاء، الزواج المشروع. فهذه السيدة التي حرضت المغفل المصري على إخفاء زواجه بالمصرية بتقديم أوراق طلاق سابق سيشجع آلاف العرب على تقديم نفس أوراق الطلاق السابقة، وإخفاء زواجهم الحالي، وذلك لإتمام مراسيم زواج مخالف للقانون.

ولقد سبق للسيد محمد عبد النباوي رئيس النيابة العامة أن وجه مذكرة إلى كل الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف، ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، وقضاة النيابة العامة بجميع محاكم المملكة، يطالب فيها بضرورة التعامل بالحذر اللازم واليقظة المطلوبة مع مختلف الطلبات المتعلقة بالزواج المختلط، حيث دعا  إلى ضرورة التأكد من هويات أصحابها وأهليتهم لإبرام الزواج المختلط، طبقا لما تنص عليه مدونة الأسرة، كما أكد على ضرورة الحرص على جمع المعلومات بكل دقة حول جنسية الشخص الأجنبي الراغب في الزواج، وديانته، ومهنته، ودخله، ووضعيته العائلية والقانونية لوضعها رهن إشارة القضاء، فإذا كانت النيابة العامة تحاول جاهدة حماية الزوجة التي تتزوج من أجنبي، فإننا نجد من الزوجات من يخرقن القانون و يسهلن التحايل على القضاء من أجل أغراض لا أخلاقية، خصوصا إذا وجدت رجلا مغفلا دنيئا مثل هذا المصري.

فعلى النيابة العامة أن تتحرك في هذه النازلة، لتقطع يد كل من سولت له نفسه، أو ستسول له استغلال بناتنا، وحتى اللواتي يقترفن العمليات الاحتيالية على القانون للإيقاع بضحاياهن من المغفلين.

أنا لستُ ضد هذا الرجل المصري، لكن حين أستحضر ما جناه على أسرته الصغيرة التي مازالت في انتظاره، وما جنته عليه نزوته ودفعت به إلى انتهاك القانون، أشعر بأني ملزم بالكلام، ولقد تكلمت، اللهم فاشهد..

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

90 requêtes en 0.617 secondes
‪‬‏