بقلم قيس بنيحي

علاقة المرحوم محمد بنيحي الطنجاوي برجال المقاومة لم تكن مقتصرة على التطابق الفكري و الإيديولوجي فحسب، بل قبل ذلك كان لها أوجه عائلية توحي بالتأثر الجيني لمن يومن بهذا البعد. أسماء عدة كانت لها الدور المحوري في تركيبته الفكرية يتكلم عنها المرحوم في الحلقات ما قبل الأخيرة لمذكراته.

 

36. فتاريخ وجغرافية عبد الناصر آنذاك لم يكونا مناسبين لكي يحقق وجوده، أنا لا أعرف بماذا كان يحلم، كانت حطبة هزيلة، أنا أتكلم بموضوعية، سألتني عن محمد بن عبد الكريم الخطابي، كنت أتناول الكسكس كل يوم جمعة في وجبة الغذاء وخالد مشبال يعرف الكثير مما سأحكي ألآن. فمحمد بن عبد الكريم الخطابي هو خال والدتي ودرس في إنجلترا وفي كلية الطب بالجزائر، كان طبيبا جراحا وجاء إلى طنجة مع ثورة عبدالكريم الخطابي، جمع حقيبته وأدواته الطبية والتحق به وكان هو طبيب المجاهدين، وهذا شيء معروف عند عامة الناس ولعل الظروف تسمح أن أكتب ما عرفته عنه. كان يسكن بمنزل كبير والدولة المصرية هي التي كانت تتكلف بجميع ما يتعلق بإقامته في مصر، وكان منزله يوم الجمعة مفتوحا لجميع الطلبة، فذهبت عنده ذات يوم رفقة المهدي الدليرو وثلاثة طلبة أصدقائي ومن طبيعته أنه عندما يرى طالبا جديدا في المجموعة التي تزوره يسأله من أين أتى إلى غير ذلك . فسألني هل أتيت من طنجة فأجبته أنني من تطوان، حكيت له القصة بكاملها عن عائلتي وأخبرته بأن الدكتور محبوب هو خال والدتي، ففرح كثيرا وبدأ يحكي للطلبة عن هذا الدكتور وشهامته وبأنه كان يعالج النصارى والإسبان في واقعة أنوال، وكان خالي يحاكيني ويقول بأنه كان يملك منزلا بفاس وهو الوحيد من عائلة عبدالكريم الخطابي الذي رافقه في المنفى من الريف ومكثوا بفاس مدة شهرين أو ثلاثة قبل أن ينقل الخطابي عبر الباخرة إلى المنفى، فلم يقبل بأن يذهب معه الدكتور إلى المنفى ونصحه بأن يستقر بفاس ولكن دون أن يمارس مهنة الطب وأنهم سيوفرون له مكانا ليعالج للناس أسنانهم، كان هو الطبيب الذي يقصده علال الفاسي وبلحسن الوزاني والذي يكشف أيضا على زوجاتهما إضافة إلى كبار الموظفين وزوجاتهم أيضا، عبدالهادي التازي كذلك، وحكى لي عنه أحمد بنسودة الذي كان يعالج والدته. وأخي الأكبر الذي كان يدرس بالقرويين قام ببيته بفاس إلى أن أكمل دراسته، لم أنس أنه استبقاني معه وحدثني بقدر كبير من لحلال والوجود وثورة الريف وهو خال والدتي.
 
37. يمكن أن أقول وأنا استحضر صورته بأنه إنسان لم يتغير لا روحا ولا شكلا، كان يلبس الجلباب والرزة ويتربع ، ولما يؤذن المؤذن يختفي في غرفة صغيرة ويؤدي صلاته ويأتي خاملا سبحته، كان هادئا ومتأما لأن المغرب في ظنه كان يجب أن يكون مستقلا من مدة طويلة وكان يرحب بجميع الطلبة وكأنهم أولاده. وفي أواخر 1964 قررت أن أعود إلى المغرب بعد أن أقمت بفندق لمصري متزوج من يونانية التي كانت تعتبرني كأحد أبنائها وتهيء لي ألذ الأطباق. كان يزورني دوما مصطفى الصباغ رحمه الله، وكان أيضا محمد بنعيسى لكن كان منفصلا عن الطلبة، كان يقيم مع إيطالية أظن وكانت له حياة خاصة بعيدة عن الطلبة إلى أن ذهب إلى أمريكا مثل عبد السلام البقالي. وعندما كنت بمصر لا بد أن أقول أنني مدين للأستاذ عبد الخالق الطريس، فبم أفرض يوما عنه نفسي أوكنت أظن أنه بمقدوري أن أكون من حاشيته ولكن الذي أخذني للطريس هو المهدي بنونة، له عدة خصائص وكتبت عنها ومنها الخطابة، كان خطيبا وكانت الخطبة هي العمود الفقري في العلاقات مع الناس، كان يرتجل ولم يقرأ أبدا في الورقة.

 

38. إذا كان في بيته فيقف بالطابق الثاني ويبدأ بالخطابة وحين يحس بتعب في حلقة يشرب جرعه ماء ثم يستأنف خطبته وكان لا يمل منها، والتكوين الذي حظى به الطريس رحمه الله أنه قرأ لشيوخ في تطوان ثم قرأ في القرويين ثم في سويسرا ثم في كلية العلوم في القاهرة. ذهب إلى سويسرا وانخرط في الجامعة ولا أعرف الدراسة التي كان يتابع هناك، فسويسرا كان يقصدها أغلبية الوطنين لأن كان بها جملة من طلائع النهضة المشرقية مثل محمد عبده، جمال الدين الأفغاني، شكيب أرسلان، وعلاقة تطوان مع أهل الشرق علاقة منفردة لم توجد بمدينة أخرى، فالأستاذ الطريس كان مؤهلا دون أن يعلم أنه سيكون رئيسا للحكومة بعد البكاي في الفترة الذي كان الخلاف بين بلافريج والحكومة الكاملة أو المنسجمة، وكان محمد الخامس رحمه الله يرى أن الطريس هو الشخص الذي يمكن أن يكون في هذه الحكومة ، أقول هذا والكل يسمع هذا الحديث لأن لدي حجج تثبت أن هذا صحيحا، والشخص المناسب في تلك الأزمة بين حزب الاستقلال من جهة وحزب الشورى والاستقلال من جهة أخرى، وما بين الرجال الذين بثهم الاستعمار في المشهد السياسي المغربي، منهم من البدو ومن المدن لأن في سنة 1957، كان في ظن المستعمر أو الإقامة العامة أنه حان الوقت لتفتيت وحدة الأمة العربية من خلال الحركة الوطنية

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

106 requêtes en 2.855 secondes
‪‬‏