بقلم قيس بنيحي

من التفكير القومي إلى التفكير الإيديولوجي بتوجيه وتأثير من رجال كان لهم دور في بناء الفكر الحديث، منهم محمد الجابري و عبد الله ابراهيم، و مصريون تميزوا في تلك الفترة الهياجة من الفكر القومي العربي. في حلقتين يتكلم المرحوم محمد بنيحي الطنجاوي عن تجربته في جريدة التحرير و تجربته في مصر.

34. نعود إلى جريدة التحرير كما قلت من قبل كان هناك تيارا ايديولوجيا في العالم يولد وعنوانه عبد الناصر وثورته وأصداؤه وميلاد القومية العربية في النهضة والنضال وكان لكل هذا صدى واضح في نفوس وقلوب وتفكير وحركة الصف الأول من قيادة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية. لم يبق نشاطي محاصرا في عمودي اليومي فقط بل أصبح يتسع إلى أفق آخر وجدت فيه نبتة لقدرة وتوجه في الكتابة الصحفية وهو التحقيق الصحفي، وأسرة الجريدة آنذاك أبدأها بمحمد الجابري رحمه الله ولم يكن للانتماء إلى جريدة قواعد وظيفية، وحضور الجابري رحمه الله كان واضحا في اللجنة التنفيذية لحزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية في الكتابة العامة بالضبط والذي كان منتظم الوجود في جريدة التحرير وتأثيره دائما موجودا فيما تنشره الجريدة وهو عبد الرحمن اليوسفي. فبدأت أدلجة الأفكار وبدأ مولد فكر المرحوم الجابري التاريخي والفكري والمنهجي كمثقف كبير ينمو، أما عبد الله إبراهيم فكان من مجموعة القيادة في الحزب وكان عندما يأتي عندنا يكون ذلك اليوم بمثابة عرس. قلمه كان سيارا ويزودونا بملاحظاته كلما قرأ الأعداد السابقة قبل أن ينضم إلينا ويسأل عن الذي كتب المقال الفلاني مثلا واقترح أنه يجب أن تكون هناك مدرسة للصحافة من أجل تكوين الصحفيين وكان يقول بأن هذه الأخيرة هي علم مثل الطب والمحاماة لها أصول، وكان شخصا هادئا جدا. أتذكر ذات يوم ذهبت معه إلى مراكش وأقمت ببيته، تحدثنا قليلا ولكن كانت كلمات عميقة جدا وكأن الكلمة تصنع في عنقه قبل أن يدلي بها وجلساته كانت ممتعة وتتمنى أن تطول بدون أن تمل منها، وأطول فترة قضيتها معه رأسا لرأس هي عندما كان يقود سيارته وأنا بجانبه، بدا لي وكأنه يفكر في شيء ما، لا أدري هل كانت حالة جسدية أم حالة في العقل أو في الوجدان أو في شيء ما بل هي أقوى من الأشخاص وأن التغير يفرض نفسه خارج إرادة شخص يريد أن يغير وكان يقرأ التاريخ قراءة عميقة جدا، كما سبق أن ذكرت هو صاحب "المغرب العميق".

35. كان في مصر آنذاك بما يسمى بشباب 25 يناير وسبق لي أن تحدثت عنهم من قبل وكان من بينهم محمد السعداني الذي عرفته جيدا واستدعيته للمغرب واستضفته ببيتي، هو صاحب كتاب "الظرفاء"، ومحمد عودة الكاتب المتمرن. للمصريين أساليب لمواجهة الظروف التاريخية التي يواجهونها ونحن لا نملك هذه الصفة، تجربتهم مليئة بما يعبرون به عن أنفسهم دون أن يمسهم الناس أو السلطة، كانوا مهذبين وثقافتهم الشفوية والطبيعية وحضارتهم منحتهم أن يلعبوا أدوارهم بأشكال مختلفة ليس بالثورة، وتكون قادرة على إيقاظ وسائل الثورة الحقيقية. هناك صلاح شاهين الذي يعرفه الناس بفكاهته وأنه رجل نكتة، فالنكتة بالنسبة للمصريين في ذلك الوقت كان لها هدف سياسي، يجب أن نقول أنهم أحبوا عبد الناصر واستبشروا به وظنوا أن الثورة ثورة، كنت معهم في مجالسهم الخاصة وفي بيوتهم كانوا يؤرخون للنهضة العلمية من الإمام عبده مرورا بالملكيات في ذلك الوقت وبالنهضة الصناعية والثورة الثقافية والقيم الفنية. كانوا يدعون أن هناك ثوري من المغرب موجود معهم الذي هو أنا طبعا، فعبد الناصر كانت عينه على المغرب كما كانت عينه على الجميع وهذا موضوع آخر وله أبعاد أخرى وكان يظن أنه سيكون بطل الأمة العربية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

106 requêtes en 2.843 secondes
‪‬‏