بقلم : قيس بنيحي

دار الوقاش قبلة أولى ثم مصر قبلة ثانية و المبتغى لا يتغير، الثقافة و المعرفة. يحكي والدي رحمه الله في الحلقة الثامنة عشر من مذكراته عن هاتين القبلتين وسعيه الولوج إليها بإرادة أسرع من العقل.
18. كانت إحدى الظواهر أن كثيرا ممن كانوا في المعهد الرسمي يأتون إلى معهدنا ليتزودوا بما لا يتزودون به في المعهد الرسمي، في هذه المرحلة كانت دائرة معارفي اتسعت بما فيها أهل المعهد الرسمي، وذات يوم جاء قرار بأنه سيأتي أستاذ إسباني ليعلمنا اللغة الإسبانية في "دار الوقاش" وهي إحدى دور العلم القديمة سواء من أصحابها أو كانت مقرا للكتب للذين يريدون بيع كتبهم خاصة يوم الجمعة. وهذه الدار حظيت بعناية كبيرة جدا الآن ووقع تجديدها وحظيت أيضا باهتمام كبير فيه كثير من الحنان والعشق من طرف الحسن الثاني رحمه الله، وأكثر منه من محمد السادس نصره الله لأنه هو الذي أدرك الفترة التي امتلأت فيها تلك الدار وتم تجديدها، لا أعلم إذا كانت فتحت ولكن أصبحت مؤسسة عريقة جدا. ودار الوقاش كانت مسجدا ومعهدا ومأوى للطلبة الآفاقيين، فمثلا سكان فاس كانت لهم دور المرينيين إلى غير ذلك كانوا يسكنون بها، ودار لوقاش كان بها غرف يسكن فيها كل من كان يأتي من الجبل لأن الجامع الكبير لم يكن يحتوي على إقامات وأغلب هؤلاء الناس كانوا يسكنون عند أهليهم لأن المسافة بينهم وبين الجامع كانت قريبة. وهذه المرحلة بالنسبة لي أصابها تغيير قوي، بدأ هاجسا وأصبح هوسا. كان هناك شخصان سافرا إلى القاهرة على أرجلهم، هما القائد مشبال وعبد القادر السباعي. والقائد مشبال كان من سكان حارتي بسانية الرمل أما عبد القادر السباعي فبيته لصيق ببيتي تقريبا، وعند مغادرتهما المدينة كأنه وقع زلزال بها وفي شباب ومعاهد المدينة لأن هذا كان حدث كون أنهما ذهبا على رجليهما حتى مصر. وبدأت أقول مع نفسي لماذا لم أكن أنا؟ فذهبت آنذاك وبدون تفكير عند عمي الحاج أحمد إلى طنجة وأخبرته أنني سأذهب إلى القرويين لأتابع دراستي، مع العلم أن أبي أرسلني لمدة سنة إلى القرويين لكن مع الأسف لم أنسجم مع طابع مدينة فاس. كنا نسكن أنا وأخي مع خال أمي الذي كان الطبيب الوحيد آنذاك مع عبد الكريم الخطابي يداوي جرحى المجاهدين. فالتجأت إليه مرة ثانية ورحب بي، له أغنى مكتبة صور لحرب الريف ولا زالت عند ولديه لحد الآن، فأخبرته بأنني أريد الذهاب إلى القاهرة لأتمم دراستي وبدون مناقشة زودوني بمبلغ من المال ودعا لي بالتوفيق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

103 requêtes en 1.740 secondes
‪‬‏