المهداوي وصديقي الذي أعتبره نفسي

 

يوم الإفراج عن الصحفي حميد المهداوي، انتظر الجميع تصريحاته عن الحياة في السجن. وفعلا خرج حميد، وخرج بتصريحات حول التطبيب و اللباس الجنائي والتغذية. هذه التصريحات دفعت بالمندوبية العامة لإدارة السجون إلى نشر بلاغ تكذب فيه تصريحات المهداوي جملة و تفصيلا. وبمجرد اطلاعي على مضمون البلاغ اكتشفت فظاعة للأسف لم ينتبه إليها الكثيرون. فما نشرته المندوبية هو فضيحة بكل المقاييس، حيث يفضح الخروقات القانونية والمعاملة التمييزية التي كان يستفيد منها حميد المهداوي حسب البلاغ، أو باعتراف من قام بصياغته.

فقد أقر البلاغ بأن المهداوي ” كان يقيم وحده في غرفة تتسع لثمانية سجناء بناءا على طلبه”. وهذا يعني شيئا واحدا، وهو أن المندوبية العامة لإدارة السجون أفرغت زنزانة من سبعة نزلاء، وقامت بوضعهم بزنازن أخرى. وبذلك منحت المهداوي تمييزا عن السجناء الآخرين، وهذا الاجراء خرق للقانون. وأما القول إن وضعه تم بناءا على طلبه، فهذا لا يعني أن المهداوي طلب هذا التمييز، ولكن لأن هناك زنازن انفرادية لشخص واحد على غرار جناح 6 بسجن عكاشة. فاذا كان المهداوي تقدم بهذا الطلب، ألم يكن من الأجدر وضعه بزنزانة انفرادية بدلا من إفراغ زنزانة تتسع لثمانية أشخاص، ووضع المهداوي وحيدا بها ( دائما حسب بلاغ المندوبية).

أما بالنسبة للباس الجنائي، فإن بلاغ المندوبية العامة زاد الطين بلة حيث أشار البلاغ، إلى “أنّه خلافًا لما يدعيه بخصوص ما أسماه بـ«الحالة المتسخة لهذا اللباس، فقد كان يتسلم زيًا جديدًا كلما حان موعد من مواعيده الطبية بالمستشفى العمومي”. و هنا أيضا أطرح نفس السؤال: هل كل السجناء كانوا يستفيدون من لباس جديد كلما حان موعد من مواعيدهم الطبية بالمستشفى العمومي؟

شخصيا، حاولتُ أن أتعامل مع بلاغ المندوبية باعتباره المصدر الأوحد للحقيقة، فالمسؤولون عندنا لا يكذبون. وللأسف، لن أكون سعيدا بتصديقي للبلاغ، لأن ذلك معناه تسليم بحصول تمييز بين السجناء بشكل مخالف للقانون، والمسؤولون عندنا لا يخالفون القانون.

تصريح المهداوي حرّك مواجع سجين سابق بسجن عكاشة، لا أعتبره في الحقيقة شخصا آخر غيري، بل من شدة صدقه معي فإني أعتبره نفسي، وسمح لي بأن أنشر شهادته كما حكاها لي.
“أنا فلان الفلاني، رقم اعتقالي 8738. صدر الأمر بإيداعي سجن عكاشة بتاريخ 16 يوليوز 2019، وتم الإفراج عني في 16 يناير 2020. أي ستة أشهر من المعاناة.

استمعت إلى تصريحات المهداوي، ووجدت أن كل ما قاله صحيح، إلا نقطة واحدة غير صحيحة، وهي أن الجناح 1 من أخطر الأجنحة مثل جناح 2 و 3. فجناح 1 هو الجناح الوحيد الذي تسوده مراقبة مشددة. لا وجود لأي هاتف محمول أو قطعة حشيش أو حبة قرقوبي. يُعتقد بأنه جناح 5 نجوم، ولكنه في الحقيقة ليس كذلك. هو جناح لا أثر فيه لأي مظاهر الترف مثلما كان في السابق.

المهم، أصبت بميكروب في عيني، فطلبت لقاء الطبيب الذي اصيب بالهلع من شدة تعفن الميكروب الذي رأى و وبعد الكشف أمر بنقلي إلى المستشفى العمومي بتاريخ 26 يوليوز 2019، وكان ذلك يوم الجمعة، بعد الظهر. بعد المناداة علي، تم اخراجي إلى الساحة في انتظار نقلي إلى المستشفى. وهنا ظهر الموظف الذي أمرني بارتداء اللباس الجنائي، الذي كان في الأرض مرميا جد متسخ، و ليس زيا جديدا مثلما كان يمنح للمهداوي حسب بلاغ المندوبية، كان اللباس الجنائي ابيضا وأسودا، ويطُلب منك إما ارتداء السروال أو القميص. كان هذا اللباس فعلا متسخا وممزقا وقذرا بكل ما تحمل كلمة القذارة من معنى. رأيت القميص مرميا في الأرض، وكدت أن أرفض ارتداءه، لاني تخيلت كم من معتقل سابق ارتدى نفس القميص و بعد العودة من المستشفى ينزع القميص او السرول و يضعه ارضا، ولكن فوق طاقتي لا ألام. فلم يكن لي بدا من ارتدائه حتى اذهب لزيارة الطبيب بالمستشفى، و هكذا ارتديته متسخا، وتم تصفيدي ويداي خلفي. دخلت إلى المستشفى وبرفقتي اثنان من الموظفين، ثم دخلنا إلى الطبيبة التي أجرت لي كل الفحوصات الضرورية لتخبرني اني مصاب بالسواح، و منحت للموظف لائحة الأدوية التي من المفروض أن تسلم لي من طرف إدارة السجن. وبالفعل وصلنا إلى السجن، وانتظرت يوم السبت والأحد والاثنين… ولم أتوصل بأي دواء، حتى وصل يوم الثلاثاء، وتم منحي دواءين من ضمن لائحة طويلة من الأدوية، ولم أتوصل بالباقي. لتبدأ بعد هذا مرحلة الأمراض الجلدية. حيث أصيب جسمي بظهور احمرار في جسدي، بداية من بطني وبعدها ذراعي مع ظهور حبيبات سوداء. ولأن الممرض في السجن عامة هو من يقرر أن ترى الطبيب. فقد كان يوم الثلاثاء هو اليوم المخصص لزيارته الجناح1 حيث كانت زنزانتي رقم 19، وكان علي الاستيقاظ مبكرا و الالتزام بالقوانين. اتجهت إلى الطابور وانتظرت، و حين حان دوري سألني الممرض: مالك؟

ـ بغيت نشوف طبيب

ـ علاش؟

أظهرت له بطني و ذراعي التي كانت في احمرار شديد، سألني الممرض: فين كتنعس؟

ـ 19.

ـ صافي سر غادي نصيفطو ليك الدوا

هنا شعرت بغضب، وقلت : واقيلا كاعما سمعتني مزيان، راه قلت ليك بغيت نشوف طبيب، انا ما ناخذ حتى دواء الا ما شافني طبيب.

وكان الرد غاضبا وحازما:

ـ واش الطبيب مسالي ليك؟ مالك بغيتي نزل ليه 260 واحد.

طلبت منه الاعتذار، واتصلت بصديق جد مقرب الذي أخبرته بالواقعة، فقال لي: اقطع، صافي أنا نتكلف.

وللأمانة، بعد صلاة العصر تم إحضار الدواء. فقلت للشخص الذي جلب لي الدواء: سر قل ليهم ما غاديش ياخذ دوا حتى يشوفه الطبيب.

كيف لي أن آخذ الدواء وأنا أرى بأم عيني معتقلا كان يعاني آلام الظهر تم منحه دواء السعال؟ فما أدراني أن هذا الدواء من أجل أمراض جلدية، وليس له علبة ولا معه وصفة. مر يوم الثلاثاء والأربعاء، لتتم المناداة علي يوم الخميس من أجل أن يراني الطبيب، نعم كانت هناك واسطة من أجل أن أنال حقي في التطبيب، وليس من أجل شيء خارج القانون.

زرت الطبيب، وأمر لي بنفس الدواء السابق. فتفاقم مرضي الجلدي يوما بعد يوم. ليتم منحي دواءا مخصصا للجربة. وكان فعلا سبب شفاء القروح في بطني، ولكن الحبيبات السوداء لم تختف، بل كانت تزيد يوما بعد يوم. وظلت هذه المعاناة حتى يوم الإفراج وما بعده. حيث مازلت أحمل البثور في كل مناطق جسمي، وظللت أتفادى الاقتراب من والدتي حتى لا تصاب بالعدوى، يعني أن ما قاله المهداوي عن الأمراض الجلدية صحيح، وما قاله المهداوي لقاء الطبيب الذي يشبه عيد العرش صحيح.

وماذا عن التغذية؟
كانت الحصة المخصصة لكل سجين لا تسمن و لا تغني من جوع، و لكن اكتشفت فيما بعد أن المسؤولين عن المطبخ كانوا يضيفون حصصا إضافية حتى يتم بيعها للسجناء، وكان الأشخاص المعتقلين هم من يتكلفون بتوزيع الأكل وسطاء بين السجين والمسؤولين عن المطبخ. فمقابل علبة ماركيز يتم منحك 8 قطع دجاج إضافية، وبعلبة مارلبورو يتم منحك 18 قطعة إضافية من الدجاج أو الديك الرومي أو اللحم (لحم ديال شي حاجة ماشي بقري ماشي غنمي). وهكذا كنت أمنح للوسيط 3 علب مارلبورو أسبوعيا، أيام الثلاثاء من أجل الديك الرومي، والخميس و السبت من أجل الدجاج، أما الاثنين فكانت الوجبة لوبيا بيضا، والأربعاء، لا يتم توزيع الوجبات لانه يوم الزيارة، والجمعة الكسكس و الأحد العدس. وللإشارة، فإن الخضر التي يتم طهيها في السجن لا يمكن تناولها لأنها غير صالحة للاستهلاك الادمي.

وماذا عن التعذيب؟

لم أشاهد بعيني أية حالة تعذيب، لكن السب اليومي والإهانة اليومية عادة داخل السجن، بل هي جزء من ثقافته. ولكن ليس من طرف موظفي الجناح لا بل من طرف موظفين كانوا يأتون لتفتيش النوافذ ان كانت هناك أي محاولة هروب، هؤلاء، نراهم مرتين في الأسبوع، ودون أي سبب ينطلقون بالشتائم، ولابد أن يسمع كل واحد منا شتيمة من مثل: سر تق… دابا نجي ن…. مك”.

انتهى كلام صديقي.

أعدت قراءة بلاغ المندوبية، فوجدت فيه خرقا للقانون إن كان صادقا. وأعدتُ الاستماع إلى تصريحات المهداوي وقارنتها بحكاية صديقي الذي أعتبره نفسي، فوجدتني أميل إلى تصديقه. ما عدا ما يتعلق بالتعذيب، خصوصا و أن التقرير السنوي للمجلس الأعلى للحسابات برسم سنة 2018، في الشق المتعلق بتدبير المؤسسات السجنية، تحدث عن وجود اختلالات في تدبير المؤسسات السجنية ، مرتبطة خاصة بتدبير التغذية ونقص الرعاية الصحية.

فصديقي الذي أعتبره نفسي لم ير حالة تعذيب واحدة طيلة مقامه في عكاشة. وأعدت النظر إلى البثور المترامية على جسده، وتساءلت: كيف لمواطن يدخل إلى السجن معافى ويخرج منه حاملا أمراضا وأعطابا دون أن يفكر في مطاردة من تسببوا له فيها كي يعوّضوه أو يخففوا عنه؟

رغم أن صديقي يرفض رفع قضية ليطالب بالتعويض بسبب الاهمال، فهو يرى ان أي حكم لصالحه في الدنيا، سيمنعه من القصاص يوم يقف الجميع بمحكمة السماء امام الواحد القهار الذي لا يظلم عنده أحد

و لكن أتمنى أن يضع صديقي يده في يد المهداوي ويقودان مع الآخرين أمثالهما معركة جديدة، ضد الذي يستقبلون في سجونهم مواطنين أصحاء، ويفرجون عنهم أجسادا متهالكة تحمل جراحا في أعماقها وعلى جلدها دون أن يرف للمتسببين فيها جفن.

Email : [email protected]

Facebook : Achraf Ben Jilali

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

88 requêtes en 0.689 secondes
‪‬‏