المعذبون الذين لا تعرفونهم

هل كانت الجرائد والمواقع الفرنكفونية تعلم وهي تهلل بتاريخ يونيو 2015 لخبر عقد اتفاقية وصفتها بالتاريخية بين موقع فايسبوك ومجموعة شركة فون للخدمات أنها تمارس تدليسا ونصبا على المغاربة؟ هل كانت تعلم أن الفايسبوك لا علاقة له بهذه الاتفاقية ولا علم لممثلها القانوني بوجود أي طرف اسمه شركة فون للخدمات؟ وهل كانت تعلم عندما نشرت الخبر على شكل سكوب يفيد بأن شركة الفايسبوك اختار المغرب كوجهة للاستثمار أنها تستبلد المغاربة كبارا وصغارا؟ أم أن التوجيهات التي وصلتها أوصتها بنشر الخبر كما وصل، ولا شأن لها بالحقيقة؟ كل شيء ممكن، فأموال الإشهارات والإعلانات تمنع المستفيدين من التدقيق أو حتى السؤال.

فما هي الحقيقة؟ بصراحة، هناك أكثر من حقيقة.

الحقيقة الأولى هي أن العلاقة الوحيدة التي تجمع الفايسبوك و شركة فون للخدمات هي صفحتها على الفضاء الأزرق مثل جميع الفايسبوكيين لا أقل و لا أكثر .

والحقيقة الثانية التي أخفتها تلك الوسائل الإعلامية ـ إن كان على علم بها ـ هي أن شركة فون للخدمات ليست إلا فرعا من فروع الشركة الالمانية  Arvato Bertelsmann  ، و بالتالي فلا سلطة لها لتوقيع الاتفاقيات. والشركة الألمانية هي من وقعت الاتفاقية المذكورة مع فايسبوك. أما شركة فون للخدمات فهي التي ستنفذ المهمة المطلوبة في الاتفاقية.

 هذه المهمة يمكن وصفها باختصار بأنها "الإشراف على مراقبة محتوى المنشورات على الفايسبوك". ويطلق على القائمين بهذه المهمة Les Modérateurs، يعملون على مراقبة المنشورات التي يتم التبليغ عنها من قبل مستخدمي الفضاء الأزرق، والتي تعتبر منافية للأخلاق. إنهم يواجهون رعبا يوميا مطلقا، أو كما قالت جريدة Suddeutsche Zeitung الألمانية في مقال لها أثار جدلا واسعا عند نشره: " لمواجهة الرعب المطلق، لا حاجة للذهاب إلى سوريا أو العراق. ما عليك سوى العمل مع الفايسبوك أو مع احدى الشركات المتعاقدة كمشرف على مراقبة محتوى المنشورات في وظيفة مدفوعة الأجر إلى حد ما. موظفون يتعرضون للإجهاد النفسي الشديد دون دعم طبي حقيقي، وكل هذا يحدث في أقصى درجات السرية، لأن في الفايسبوك، تكون مراقبة المنشورات سرية تماما."

لقد عاشت الشركة الألمانية  Arvato Bertelsmann الويلات بعد صدور المقال الذي تحدث عن الظروف اللامهنية التي يعيشها موظفوها الذين يراقبون المنشورات المبلغ عنها؛ بداية من انعدام أي تكوين خاص قبل التحاقهم بوظائفهم ونهاية بانعدام أي مرافقة نفسية طبية بعد الالتحاق.

وانصدم المجتمع الألماني. ودخلت الوزيرة السابقة والفاعلة الحقوقية المحامية ريناتي كوناست على الخط و طلبت زيارة مقر Arvato حيث يجتمع الموظفون الألمان لمراقبة منشورات فايسيوك، فأصيبت بالصدمة؛ مقر مجهول المكان غير معروف لدى العامة، إمكانيات شبه منعدمة، موظفون مجهدون من فرط الفظاعات التي يجبرون على متابعتها بالثانية وأجزاء المئة حتى النهاية.

هذه الشركة المدانة، شركة   Arvato Bertelsmann اختارت المغرب كوجهة لإنشاء مقر متخصص في مراقبة المنشورات على مستوى شمال إفريقيا والشرق الأوسط، (مقر شركة فون للخدمات)، وتحاول جاهدة إحاطته بالسرية التامة، لدرجة أنها بمجرد علمها بنية الصحافة الألمانية القدوم إلى المغرب لإجراء تحقيق حول الموضوع، بادرت إلى سحب أي إشارة إلى وجود اسم شركة فون للخدمات من واجهة المقر الرئيسي بسيدي معروف. ومنعت الموظفين من تعليق شارة الشركة خارج المقر الرئيسي. وبزيارة خاطفة إلى مقر الشركة سنجد أن    Shore 18 به كل اسماء الشركات المتواجدة بالمقر إلا اسم شركة فون للخدمات، حتى أن اسم فايسبوك داخل المقر أعطي له رمز إلا و هو HORIZON. وما إجبار الموظفين على توقيع تعهد بعدم إفشاء أي أسرار عن الشركة  أو عن الفايسبوك  إلا دليل على وجود ما ترفض شركة فون الإفصاح عنه، لعلمها اليقين بأن ما سيكتشفه المغاربة افظع بكثير مما أكتشفه الألمان.

نعم، أيها السادة. إذا كانت وضعية القائمين الموظفين سيئة بألمانيا، فكيف ستكون وضعية العاملين هنا بالمغرب؟

عددهم يناهز 900 شابة وشاب مغربي بالدار البيضاء، لا تتعدى أجرة الواحد منهم 400 يورو شهريا، في الوقت الذي يتقاضى نظيره بألمانيا 1500 يورو. (وهو الرقم اعتبرته الجرائد الألمانية فضيحة). شباب بين العشرين والخمس والعشرين من العمر أوكلت إليهم مهمة مراقبة الفظائع التي ينشرها أشخاص مرضى نفسانيون يستمتعون بنشر جرائمهم علانية.

إنهم مثل الجنود الذين يضحون بحياتهم وأرواحهم كي تسلم حياة المواطنين. يضحون بسلامهم الداخلي ومزاجهم المعتدل كي تسلم نفسيات رواد الفايسبوك، كي يتصفحوا الصفحات والصور والفيديوهات ويعودوا إلى فراشهم ليناموا مطمئنين.

إنهم مجبرون على مشاهدة أكثر من 1800 مقطع فيديو من بداية المقطع  إلى نهايته،  مقاطع رهيبة يشاهدونها أولا ثم يعملون على حذفها تحت يافطة " محتوى غير قانوني وإجرامي". يقومون بهذا دون أي تدريب خاص يؤهلهم إلى تجاوز الصدمة والتقزز عند مشاهدة ما يشاهدون. ويفعلون هذا بدون دعم نفسي يحميهم من أي انهيار وانشطار نفسيين.

بالصدفة، التقيت ببعض الموظفين السابقين أغلبهم لم يتحملوا مشاهدة هذه الفظائع، وقدموا استقالاتهم، لان حياتهم انقلبت رأسا على عقب.  يقول أحدهم: " لقد رأيت أشياء جعلتني لا أستطيع النوم ليلا. جربت كل أنواع الحبوب المنومة التي وصلت في بعض الأحيان إلى قرصين كي أنام. وإن نمت فإني لا أرى إلا المشاهد الدموية التي أجبرتني ظروف العمل على مشاهدتها". وأضاف وأصابع يديه ترتجف: "لن أنسى مقطع فيديو يظهر فيه رجل كهل يصور نفسه وهو يغتصب رضيعا عمره أقل من سنة، ثم بعد ذلك يذبحه ويبدأ بتقطيعه قطعة قطعة، والفاعل ينظر إلى الكاميرا مستمتعا بجريمته التي ينشرها أمام الملأ".

زميله ليس أقل سوءا، يقول:  "أصبحت اشرب حتى الثمالة. أسعى إلى أن أغيب عن الوعي لأستطيع النوم. وأكثر المشاهد التي تطاردني هي مشهد مجرم يقوم بتعذيب طفل مربوط. وبعد ذلك أخذ المجرم يسأل متابعيه أي قطعة من الجسم يودون مشاهدتها تقطع بسكين أولا. وكان علي أن أرى كل الفيديو، وبالتالي رأيت الجسد الصغير يقطع قطعة قطعة والطفل يصرخ حتى الموت".

أي قلب في العشرينات يستطيع تحمل هذه الفظاعات، أو يشاهد هذه الفظاعات يوميا ولا يتدمر. نعم أيها السادة، هناك شباب مغاربة يتم تدميرهم نفسيا و صحيا دون أن توفر شركة   Arvato Bertelsmann  من خلال فرعها فون للخدمات أي دعم طبي أو نفسي لهم، وهم الذين يحمون المجتمع و يحمون خصوصا أطفالنا وشبابنا من مشاهدة هذه الجرائم بأجر لا يتعدى 4000 درهم أو 5000 درهم كحد أقصى، في الوقت الذي تستفيد فيه الشركة الألمانية من ملايين الدولارات بهذه الصفقة مع الفايسبوك. 

لقد أجمع كل من التقيت بهم أنه تم توظيف Coach من أجل متابعتهم. وحتى إذا سلّمنا بإمكانية متابعة شخص واحد لحالة 900 شخص، فإن هذا الشخص أساسا ليس هو المطلوب، لأن Coach  مهمته تأهيل هؤلاء الشباب إلى هذه المهنة، لكن هم في حاجة إلى طبيب نفسي لكل عشرة موظفين، وليس طبيبا واحدا ـ رغم انعدامه ـ لأزيد من 900 شاب موظف.

ظروف عمل قاسية داخل هذا الفرع "السري" هنا بالمغرب، مظاهر عبودية حقيقية، لم وضعظ نفسي يومي متواصل من أجل إرضاء الزبائن و الحفاظ على مداخيلهم.

لكن الفضيحة التي لا يمكن السكوت عنها، وهي أن رغم مساحة الحرية التي أعطتها الشركة لهؤلاء الشباب ليحذفوا أو يتركوا ما يرونهم مناسبا، إلا أنها فيما يتعلق بالدين كان خطابها واضحا: اتركوا أي فيديو يسيء إلى المقدسات الدينية كتدنيس القرآن الكريم أو حرق صور الكعبة أو سب الانبياء. طبعا، البعض رفض واستقال، لكن المئات يواصلون.

هل لي أن أطالب السلطات بالتدخل وفتح تحقيق جدي في الموضوع وإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ أم يكفي أن ألقي بهذه الصرخة في محيط الفايسبوك لعل آذانا هناك تلتقطها، وتجبر سلطاتنا على التدخل؟

في كل الحالات، نظن جميعا أن القضية قد تستحق المتابعة والتدخل، وما سيأتي لاحقا سيُسقط"قد" هاته، وستحوّل ظنّنا إلى يقين… وجميعُنا سنتدخل

Email.: [email protected]Facebook : Achraf Ben Jilali / 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

92 requêtes en 0.817 secondes
‪‬‏