العمل الجمعوي بالمغرب.. كيف الوصول إلى الأهداف؟

Unknown-silhouette

كانت فكرة جميلة جدا تلقيناها ذات يوم من رواد سبقونا إلى الميدان، جلسنا إليهم منصتين وأصغينا للشروحات المتعلقة بالفكرة. في ذلك المساء البارد والجميل أيضا، تلقينا فكرة الانضمام إلى جمعية تعنى بالتربية والثقافة وبالطفولة والشبيبة. رحبنا بالفكرة بصدر رحب وهيأنا أنفسنا وحضرنا أوراقنا من أجل كتابة التصور العام للجمعية وأهدافها والمشاركة وخصوصيتها .لم نضيع الجهد في طرح السؤال ما العمل الجمعوي ؟ ما الممارسة الثقافية ؟ ولماذا يجتمع الناس في جمعية أو في جمعيات ؟ لماذا يختار الناس –بوعي أو بدون وعي – الانخراط في العمل الثقافي ؟ ما الهدف من مثل هذا العمل؟ هل الممارسة الثقافية ممارسة اجتماعية متميزة ولها خصوصية ما ؟ هل الجمعية أداة أم مجال للصراع الثقافي وبالتالي الاجتماعي ؟ ماهي الوضعية الراهنة للعمل الثقافي الجمعوي ؟

سبحنا في نهر التجربة ذات شتاء ووجدنا أنفسنا هكذا نشارك الزملاء في فعل شيء ما لا ندي ماهو أول الأمر. نساعد في تهييئ الأنشطة التربوية والثقافية، على قلتها في ذلك الوقت، نعمل على استقطاب الأطفال واليافعين والشباب من أجل الانخراط، ونتعلم معهم قتل الفراغ والتدرب على الفعل التشاركي. دخلنا التجربة دون تكوين أو ماشابه، أغرمنا فقط بالفكرة وانخرطنا  تحصينا لأنفسنا من شوكة الفراغ الفتاك، الذي يستشري في دماء الشباب العاطل ويتمكن منه ولا يفارقه إلا بعد فوات الأوان، كان انخراطنا في هذا العمل في زمن مازال ينظر فيه إلى الفعل الجمعوي نظرة العمل الشيطاني الذي يجب مراقبته من قبل المخبرين حتى لايتمادى في تجاوز الخطوط الحمراء، التي تؤدي إلى “الكاشو”. لقد جاءت بعد ذلك مرحلة التكوين وخوض معارك التجريب والحفاظ على المكاسب والمنجزات، وازداد تعلقنا بهذا الفعل الذي دخلناه متطوعين وخرجنا منه مضطرين،إنه العمل الجمعوي، الذي اكتمل وعينا به في مرحلة من المراحل.

لعل كل واحد منا كان ذكرا أو أنثى انخرط أو ينخرط في فعل جمعوي، أو فكر في ذلك، لا بد أن يكون قد كوٌن تصورا عن هذا الفعل انطلافا من قناعاته حول مشاهداته لما يحيط به من ردود أفعال، والغاية منها التي تقوم على تبادل الأخذ والعطاء. ثم كيف ينبغي أن يمارس بها هذا التبادل، حتى نصل إلى الأهداف المرجوة. بالنسبة لي وبحكم التجربة المتواضعة التي قضيتها مشاركا جمعويا بإحدى الجمعيات التربوية توصلت إلى نتيجة أعتبرها على الأقل لاتجانب الصواب كثيرا، مفادها أن الفعل الجمعوي لكي يؤتي أكله مباشرة وبدون هفوات، عليه أن يقوم على ما أسميه بالتخصيص، بمعنى أن الهدف الذي ترسمه المجموعة كغاية لنشاطها المزمع تحقيقه، سواء كان في المستوى القريب أو البعيد، وحتى لايتيه أمام الاكراهات المعاكسة المتعددة، ينبغي أن يقوم على التخصيص في الزمن والمكان والفئة المستهدفة .أسرد مثالا لكي نفهم المغزى، فجمعية تحمل على عاتقها الفعل الثقافي أوالبيئي أو الرياضي ببلادنا كما شئنا، يبذل روادها مما لا شك فيه كل مجهوداتهم الممكنة من أجل القيام بفعل رسموه سالفا، لكن سرعان ما تكون النسبة المئوية للأهداف بالنسبة للفئات المستهدفة، إذا لم يعتمدوا التخصيص في عملهم غالبا في غير المستوى المطلوب، هذه النسبية في اعتقاديي مردها إلى هذا التشتت الذي يشوب انطلاق عملية رصد الهدف. بمعنى أن الأهداف مجتمعة تستعصي دائما على التحقق. البديل من وجهة نظري ما دمنا نستهدف في هكذا عمل فئات من مجتمعنا، هو التخصيص نعم، الذي لا يهتم به كثيرا لعامل الزمن، بل إلى مباشرة التوصل إلى الغاية بنسبة مئوية كاملة. كيف ذلك؟ فهذه النظرية في اعتقادي تتجاوز العموميات إلى التخصيص. أسوق مثالا آخر في هذا الصدد ويتعلق بجمعية تعنى بالمشردين بمدينة الدار البيضاء، فلا ينبغي في هذا الصدد أن تتحمل الجمعية عينها العناية بالعشرات، بل المئات من المشردين الذين تعج بهم المدينة، التخصيص سينصب على فئة محسوبة لا تتجاوز إمكانية الجمعية البشرية واللوجيستية، ويكون عندها الاشتغال فعالا وذا جدوى. جمعية أخرى مهتمة بمحو الأمية في صفوف الفئات المحرومة، تكون هي الأخرى إن ابتعدت عن التخصيص مطالبة بمحاربة هذه الأمية بالنسبة لفئات كثيرة مما يجعل فعلها غير ذي نتيجة.

لقد لاقت أغلب الجمعيات انتقادات مختلفة من لدن المعنيين بالأمر، وكانت جل هذه الانتقادات تصب في خانة ضعف الأداء، ومن وجهة نظري ربما يرجع هذا الأمر إلى التهافت الذي كانت تركبه بعض الجمعيات التي لايهمها سوى حشو تقارير جموعها الأدبية بأعداد متعددة من المستفيدين لا لشيء سوى التباهي بأعدادها كان دائما بدون معنى.

إن العمل الجمعوي وفق هذا المنظور يفقد ليس فقط خصوصيته وإنما أيضا عمقه واستقلاليته وحيويته وجديته ويجعله مجرد تكرار واجترار، إن لم نقل فولكلورا، ذلك أن هذا المنظور يلتقي – بدون وعي منه – مع الفهم الرسمي والسائد للعمل عموما وبشكل سلبي ألا وهو التعبئة والتحريض والتهريج من أجل كسب زبائن جدد وإن اختلفت القضايا التي يتم التعبئة والتحريض لها. وأن هاجس اكتساب الزبائن هو الذي يقف وراء تقديس الأعداد الهائلة من المنخرطين أو الذين يقبلون على أنشطة الجمعيات رغم سلبيتهم وطابعهم الاستهلاكي. ويتجاوز هذا الهاجس هاجسا آخر أكثر ارتباطا بما هو سياسي ألا وهو هاجس الجماهيرية، فيصبح الجمهور وفق هذا الفهم جماهير، ويتم ترجمة فكرة الالتحام بالجماهير بواسطة تكثيف الأنشطة الخارجية التي يتم فيها اللقاء مع الجمهور خصوصا الأنشطة التي تثير الحماس والانفعال. قد يقول قائل إن هذا التخصيص سوف يتطلب منا وقتا مهما في بلوغ الأهداف بالنسبة للفئة المستهدفة، أقول بالعكس، لأن منطلقنا في اعتماد هذا المنحى نابع أول الأمر من أننا رصدنا في بلادنا عبر سنين كثيرة تذبذب الأداء الجمعوي في الوصول الى النتائج المرجوة، ثانيا لكون التخصيص سوف لن تتحمله جمعية أو ناد معين، بل هو عمل مقترن بكل جمعية تحملت ركب غمار التجربة، وتكون بذلك بفعلها القاطرة التي لا تتوقف في جر ما وراءها صوب النتائج المتوخاة.

إن العمل الجمعوي في اعتقادي يبقى مشتلا لطرح الأفكار والافكار البديلة التي تغني الساحة الجمعوية في شتى المجالات دون الانزلاق نحو التشبث بالرأي الوحيد، الذي من شأنه أن يزيد هذا الفعل إلا تقهقرا.

أبو ياسمين

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

88 requêtes en 0.831 secondes
‪‬‏