العقل العربي ومآلاته -8- ( العقل والخلافة )


 

عقل الخليفة مطلق كامل، يستمد من العقل النبوي؛ وهو لا يظهر إلا بعد انتقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الدنيا. والخلفاء لا يخلو منهم زمان، لضرورة وجود الوساطة الوجودية بين الله والخلق. وأما الخلفاء المعلومون في الظاهر للعموم، والذين لا يتجاوز عددهم اثني عشر، فهم نخبة من بين الخلفاء، جمعوا بين خلافة الظاهر (الحكم) وخلافة الباطن (ربوبية العالم (من التربية)). وكل من يحصر الخلافة الإلهية (النبوية) في هؤلاء وحدهم، فهو واهم.

 ولما كان الصحابة قد ألفوا الأخذ عن العقل النبوي، فإنهم قد تغير عليهم الحال كثيرا عندما انتقلوا إلى الأخذ عن الخليفة، الذي كانوا يرونه واحدا منهم قبل مدة قليلة. هذا فيما يرجع إلى عوامهم؛ وأما الخواص، فإنهم ما لبثوا أن عرفوا مرتبة الخليفة الأول أبي بكر رضي الله عنه، بعد زلزال وفاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، الذي مروا به، كل على حسب مكانته (مقامه). وفي حجْب بعض كبار الصحابة عن خلافة أبي بكر، حكم إلهية ستظهر آثارها في كل الأزمنة التي ستأتي بعد ذلك… وإن كل القياسات العقلية التي يعتمدها أهل السنة والشيعة جميعا في هذه المسألة، هي قياسات مشوبة إن لم نقطع بفسادها كلية؛ لأن العقل لا يحكم فيها إلا بما تعطيه مرتبته؛ والأمر في حقيقته هنا، شطره غيبي. وكل العقول دون الكاملة، لا يوثق بأحكامها إلا فيما هو من طورها. ولو تنبه الناس إلى هذا الأمر، لكُفوا ضلالات كثيرة؛ ولكنها الحكمة الإلهية مرة أخرى…

 إن جهل شطر كبير من الصحابة بمكانة الخليفة، جعلهم يكتفون بآرائهم الشخصية أو آراء من يرونه أهلا للرأي بحسب ترجيحهم. وهذا هو السبب المباشر في تعدد الاجتهادات لدى القرن الأول والذين يلونهم، والتي ستكون الأساس لبناء المذاهب الفقهية المختلفة على الخصوص، بعد ذلك.

 ولما كانت الخلافة الكاملة (الظاهرة الباطنة) استثناء في حال الأمة، فإنه سرعان ما انقلب الحكم لدى المسلمين إلى مُلك. وهذا ينبغي أن يُفهم على أنه وضع جديد مراد لله، وإن كان مخالفا في بعض جزئياته لشرعه سبحانه. نقول هذا، لأن العقول الضعيفة تتوهم أن الأمر كان يمكن أن يكون بخلاف ذلك، لو أن المسلمين في كل زمن حرصوا على أن يقيموه كما هو في أصله. والحقيقة أنه لا يكون في الوجود إلا ما أراد الله، وإن كان المراد مما تجب مخالفته. وهذه مسألة لا يقوى على الخوض فيها إلا من كان مميِّزا بين ظاهره وباطنه؛ وأما العامة، فلا ينبغي تحميلهم ما لا يطيقون منها.

عندما ستنقلب الخلافة ظاهرة فحسب، ستنحجب جل العقول في زمانها عن العقل النبوي من وجهيه: الأصلي والوراثي؛ وستتوهم استقلالها فيما تتوصل إليه من رأي وفهم. وهكذا ستتسع دائرة الخلاف مرة أخرى، إلى أن تصل إلى التعارض المؤدي إلى الاقتتال، الذي نعرفه من تاريخنا كله.

 ولما كان اختلاف العقول غير الكاملة أمرا حتميا، بسبب تعدد مراتبها؛ فإنه قد ظهر الاختلاف في استنباط الأحكام بسرعة فيما بينها. وهذا الاختلاف لا يعود إلى الاختلاف على النصوص الحديثية وجودا أو عدما، تصحيحا أو تضعيفا فحسب؛ وإنما شمل أيضا الاختلاف على فهم النصوص القرآنية. وهذه الصنوف من الاختلاف، هي التي كانت في الحقيقة وراء بروز علمي الحديث والتفسير، بالإضافة إلى علم الفقه الأصلي.

 لكن العقول عند اشتغالها بالعلوم الدينية، صارت تنحصر شيئا فشيئا مع مرور الزمان، في العمل الفكري (التعمل) المحض، وصارت تبتعد عن التلقي -إلا فيما ندر- وكأن الدين مجال عقلي كالفلسفة. وقد استفحل طغيان الفكر لدى المسلمين، عند نشوء علم الكلام، الذي كانت تُبحث فيه العقائد بالمنطق العقلي وحده. وهنا وقع الانحراف شبه التام عن أصل الدين، من دون أن يشعر الناس بذلك. وكأن الانطلاق من القرآن والسنة في هذه العلوم، كان يوهم بأن الأمور باقية على أصلها. وهذا زعم، لا بد أن يطالَب أصحابه بالبرهان، كما لا يخفى.

وفي هذه المرحلة من الزمان، والتي توافق القرن الثاني للهجرة فما بعده، كان لزاما الاستعانة بالفلسفة، على الأقل من حيثما هي أساليب ومذاهب في النظر؛ كما صار المنطق علما لا يُستغنى عنه، من حيث هو ناظم ورائز…

 إن ما حدث في هذه القرون الأولى من انبهام في إدراك الدين، ومن انفتاح على ما ليس منه في الأصل، ومن اقتصار للعقول شبه التام، على الكسب دون التلقي، هو ما سيجعل الدين ينفتح على ما ليس منه، حتى يعود عاملا فيه من الداخل، مولّدا مذاهب وفِرقا، ما كانت لتوجد في مجتمع الصحابة قط؛ وهو ما سيمكّن غير المسلمين فيما بعد، من دراسة الإسلام ومحاولة الحكم عليه، بسبب مشاركتهم أهله في المرتبة العقلية، كما هو معلوم لدى الفلاسفة والمناطقة واللغويين. وقد برز المستشرقون في بداية القرن التاسع عشر الميلادي، في تناول الدين، من هذا الوجه، حتى صاروا يصوغون له معالم تجاوزوا بها ما كان من إنتاج العقل المسلم نفسه. ولعلنا نعود إلى بعض التفاصيل، مما يدخل فيما ذكرناه، في فصول مقبلة إن شاء الله.

وعلى هذا، فإن ما حدث في القرون الثلاثة الأولى، كان هو الأساس لكل ما سيأتي بعده، وإن بدا أن بعض التفاصيل وليدة عصرها، لمن لم يكن واسع الإدراك.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(يُنشر هذا المقال بعد مرور أكثر من 3سنوات و125 يوما من الاعتصام المفتوح للشيخ وأسرته في بيته في مدينة جرادة بالمغرب؛ بسبب اضطهاد الحكومة وأجهزتها الذي ما زال مستمرا إلى الآن..).

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

94 requêtes en 1.772 secondes
‪‬‏