الأغلبية المخدوعة بقلم عبد الكريم ساورة.

أخطر إحساس هو عندما تشعر بالعجز، عندما لاتجد من يأخذ بيدك لتواجه الظروف العصيبة التي اعترضت طريقك، يالقسوة الآخر عندما يحاول أن يفعل أي شيء من أجل أن يقطع رأسك بطواعية وبفرح كبير، وبدون مقابل وقد تجده يشعر بلذة لامتناهية من أجل ارتكابه هذه الجريمة. ماذا عسانا أن نفعل عندما تغلق كل الأبواب. الأصدقاء مجرد إسم نردده من أجل إملاء الفراغ، أما القانون والذي نعتقد أنه من طرائف الله، لاقيمة له، مجرد كلمات مرتبة بعناية فائقة للحكم على الأغلبية المخدوعة.أما الأقلية فإنها لاتعترف بأي شيء، إنها تملك كل شيء، ونحن، نحن الصغار نتخاصم طول الوقت، ونسرق بعضنا بعضا، نسرق أشياء تافهة، نلعب ألعاب الموت لأننا لم نتصالح يوما مع الحياة، لم نعرف قيمة أنفسنا، وهل فعلا لدينا قيمة ؟ من أين تبتدأ هذه القيمة ؟ إننا لم نفعل أي شيء يجعلنا أناسا محترمين، يالا فائض الحيلة عندنا في صناعة التفاهة، في ارتكاب الحماقات في تدمير بعضنا البعض، في تدمير كل ماهو جميل بيننا. إننا مجرد حشرات أكثر من مضرة، بل أخطر وأنسف من المتفجرات، عذرا لقد أصبحنا أشخاصا لاتطاق ولم نعد نصلح لشيء،ومن يدري قد نصلح أن نأخذ إسما آخر غير كلمة إنسان، ترى من نكون ؟

اليوم وبكل يقين تعترف الدولة غير العميقة متأسفة أنها لم تجد المواطن الحقيقي الذي يترجم سياساتها، لقد أتاحت لها ظروف الجائحة أن تعرف عن قرب أن المواطن خارج عن كل ماتخطط له ، وهاهي قد استفاقت بعد سبات طويل على حقيقة مرة، بحيث لازال من المواطنين الكافرين بقبول فكرة كورونا كوباء حقيقي بعد سنتين من الصراع الدموي والحرب التي فتحتها الدولة في كل الجبهات بما فيها جبهة إغلاق كل المنافذ، لكن الدولة هل حاولت يوما ما بجد ومسؤولية إغلاق منافذ الجهل الذي يسكن كل بيوت المغاربة ؟
الجواب يترجمه التخبط الكبير الذي يعيشه المغاربة في السنوات الأخيرة، بحيث يظهر الإرتباك واضحا مع ماعرفه التطور الوبائي و يطابقه التخبط الكبير الذي تعيشه الحكومة في تنزيل مخطط واضح وواقعي يساير متطلبات شرائح المجتمع التي تعيش على مايسمى بالاقتصاد غير المهيكل.
هناك أزمة حقيقية في الرؤية ، لايتعلق الأمر بالسياسة الصحية وحدها بل في كل القطاعات بدون استثناء، كل ما في الأمر أن جائحة كورونا ، أبانت عن الحقيقة التي يحاول صانعي القرار إخفائها بشتى الوسائل محاولين تقديم صورة مغلوطة بواسطة إعلام فقير جدا يفتقد للنبل ولأخلاق صاحبة الجلالة ويفتقد للجرأة مثله مثل من يستخدمه ناكرين عن تجاهل تام أن البلاد تعرف أعطاب خطيرة ويجب أن تواجه الدولة هذه الأعطاب بجرأة وليس إنكارها أو تبرير سبب وجودها.
وهاهي الدولة بعد أن فقدت القدرة على مواجهة الفساد وإصلاح ما يمكن إصلاحة تلجأ إلى عادتها القديمة وهي الخروج بفكرة نموذج تنموي جديد، كل مايميزه عن غيره من النماذج السابقة هو كلمة ” جديد ” وذلك من أجل خلق حالة من الإرتياح العام لدا الرأي العام وإيهامه أن النموذج المقدم سيكون العصا السحرية التي ستحقق كل أماله وتطلعاته.
وهنا وجب علينا أن نطرح السؤال المفتاح : هل فعلا مشكل المغرب مشكل نموذج تنموي ؟
يجب الإقرار وبشكل حاسم أن مشاكل المغرب هي مشاكل بنيوية، قديمة يتداخل فيها السياسي بالديني والهوياتي بالحداتي، هناك مأزق كبير يعيشه المغاربة في اختيار طريقة العيش، إنهم يريدون كل شيء ويرفضون كل شيء، يطلبون الشيء ونقيضه، والدولة هي الأخرى تائهة بين القبول والرفض للعديد من القضايا الشائكة، بحيث لم تستطع الحسم فيها بشكل نهائي ودون حسابات الربح والخسارة ، وهذا ما يفتح الباب مشرعا للتفسيرات والتأويلات ” للمتكلمين باسم الماضي” ” أو باسم الله ” أن ينسجوا النوادر والحلول القروسطية وهو ما يجعلنا دائما نفقد الوجهة الحقيقية فنظل نراوح أنفسنا وقد نرجع سنوات إلى الدوائر المظلمة.
إن تخلي الدولة عن التعليم العمومي طوعا هو أكبر معضلة حقيقية، وأول تدشين لفشل كل المشاريع، وبدون إصلاح حقيقي لهذا القطاع لن يتم إصلاح القطاعات الأخرى، وستظل الدول تخترع في كل عشر سنوات نموذج اقتصادي جديد، وستقوم الأغلبية المخدوعة كالعادة بمباركة هذا النموذج أوذاك جهلا أو تملقا أو نفاقا أو خوفا، إنها دائما تصمت في الوقت الذي يجب عليها أن ترفض أي مبادرة ليست من صميمها، إن الدولة مجرد أداة لنقل أفكار وتطلعات شعوبها، وتاريخيا الشعوب هي من تصنع شكل الدول وطريقة الحكم.

وعلى هذا الأساس لايجب على الشعب أن يختبئ تحت مقولات جاهزة وعابرة أن الدولة تفعل ماتشاء لأنها تتوفر على البوليس والعسكر والمخبرين، فكل هؤلاء لاقيمة لهم بدون هذا الشعب الذي يعتبر المادة الأولى في تقديم هذه الشرائح لا من أجل شيء آخر سوى مساعدة الدولة على الاستمرار وتقوية أسسها من أجل مواجهة كل مايمكنه أن يهدد بقاءها واستمرارها.

إن نقاء الدولة هو مسؤولية مشتركة بين كل المؤسسات بما فيها مؤسسة الشعب، التي تشكل النواة الحقيقية لسيادة الدولة، وبدونها لايمكن تحقيق السياسات العمومية، لهذا على الشعب أن يكون يقظا ومستعدا في كل الأوقات للتفاعل مع كل المستجدات وذلك بالمتابعة والإنصات والمناقشة والتحليل واتخاذ القرار الملائم الذي يعود بالنفع على الجميع، فلا يجب على الأفراد أن ينشغلوا بتوافه الأمور وبالخطابات الكاذبة التي تروج سواء ضد شرفاء هذا الوطن أو سواء ضد الوطن ذاته، يجب أخد الحيطة والحذر خصوصا أننا جميعا في هذه البلاد أصبحنا مستهدفين من طرف جهات معروفة بعدائها للمغرب، لهذا علينا أن نكون على يقظة كبيرة لمتابعة مايجري من مستجدات سواء تعلق الأمر بالسياسات الدولية أو مايتعلق بالسياسات الصحية أو الاقتصادية ، وهذا لن يتحقق والتلفزات المغربية لازالت تتحدث عن الطبخ والسياحة والغناء كأولويات في بناء المواطنة، ولعمري هذه أكبر إهانة لذكاء المغاربة الذين تجوب عقلوهم الكبيرة كل دوائر القرار السياسي في البلدان الأجنبية، ولهذا يجب على الدولة أن تكف عن افتراس ذوق المغاربة وأن تفتح أبوابها لبرامج النقد والنقد المضاد في كل القطاعات ولكل الشخصيات دون استثتاء ماداموا يدبروا السياسات العمومية وهذا لامحالة سيقوي المناعة الداخلية والتي ستكون بدون شك الواجهة الحقيقية لوقاية الدول من كل الهجومات كيف ماكان شكلها أو مصدرها.

سأقولها وللألف مرة أن الدولة لايصنعها الأغبياء ولن تدافع عنها يوما الأغلبية المخدوعة بل دائما ستجد في صفها الطبقة الناكرة لذاتها والتي تقدم مصلحة الوطن على مصلحتها، أما تجار السياسة والمقنعِين ( نخبة الأقنعة المتعددة) وبائعي التذاكر السوداء والوصوليين والإنتهازيين والمتخصصين في تقبيل الأيادي فإنهم سيظلون يرهنون بلادنا بخطابهم التقديسي سنوات أخرى، وسنظل نعاني الأعطاب ذاتها والنكبات ذاتها والخطر في كل هذا هو الخسارة الكبيرة في تبديد الوقت ، والوقت هو الحضارة كما يقول أحد المفكرين.

لهذا وبكل جدية علينا أن نتخلى عن ديكتاتورية الأنا التي لازال يستقوي بها بعض المسؤولين ، المغرب ليس في ملك أقلية محظوظة وكل من انتقدها تبحث له عن فضيحة و عن عقوبة تلائم تلك الفصيحة، صدقوني هذا الشكل الانتقامي ستكون له تداعيات خطيرة وسيجعلنا دائما تحت رحمة الدول والمنظمات التي تستغل سيف حقوق الإنسان لتقطع لنا رؤوسنا جميعا. لقد حان الوقت لنخرج من ذلك الشكل الفلكلوري في السياسة والإعلام والمحاكمات للمثقفين وأصحاب الرأي المخالف، وأن نعيد هندسة المجتمع السياسي والمدني على أساس احترام القانون والدفاع عنه، من أجل أن نؤسس جبهة داخلية متجانسة قوية متعالية على تقافة التخوين فيما بينها من أجل مواجهة العدو، بل مواجهة الأعداء وهم كثر يتربصون بنا جميعا لسحقنا كالحشرات، لهذا حذار من ضياع الوقت، حذار من أن تظلوا دائما أغلبية مخدوعة طول الوقت.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

85 requêtes en 0.816 secondes
‪‬‏ google.com, pub-5944362249061261, DIRECT, f08c47fec0942fa0