أيها الراعي الطيب، نم بسلام

مرة أخرى، وبلغة السينما كلاكيت ألف مرة. يتكرر المشهد كلما نزل المطر وسقطت الثلوج، حيث يموت المواطنون من البرد وتعلن الحكومة عن أسفها بعدفوات الأوان. لكن مشهد هذا العام مختلف قليلا، سيبقى راسخا في الأذهان، كما سيبقى وصمة عار على جبين العثماني ومن معه. 

لقد صار كل الوزراء والمسؤولين في إقليم تازة يعرفون مواطنا مغربيا طيبا وفقيرا اسمه حميد بعلي. عاش مثل المغاربة يواجه الحياة الصعبة بالصبر والإيمان، كان يقوم برعي الغنم وربما يحلم بأن يكون في المغرب مسؤولون يفكرون في  أمثاله من المواطنين القاطنين في مناطق المغرب غير النافع بلغة المعمّرين، وفي مناطق الهشاشة والإقصاء الإجتماعي بلغة المسؤولين.  

كان حميد في مثل كل السكان في جبل بويبلان يصمد في فصل الخريف والشتاء في كل عام، يقاوم قسوة الطبيعة وظلم العزلة ولا يموت. كان يبقى على قيد الحياة حتى يحين الربيع. وهذه المرة ليس هناك ربيع. لقد مات حميد بعلي متجمدا تحت الثلج، في أقسى صور هذا العام بالمغرب.

صورة راعي الغنم ميتا مغطى بالثلج ولّدت صدمة كبيرة لدى كل من رآها، وولّدت غضبا كبيرا  لدى الجميع. ويجب على المغاربة أن يغضبوا لأن واحدا منهم لم يجد من السلطات مساعدة كان بإمكانها أن تنقذ حياته، كما سبق لها وأن أنقذت العشرات من السياح الأجانب. لم يكن مطلوبا من السلطات أن تبحث عن حميد بالهيليكوبتر، وتستدعي رجال الجيش وآخر التجهيزات للكشف عن مكانه، وإنما كان مطلوبا منها فقط أن تتدخل في الوقت المناسب لإنقاذه، فرجال الوقاية المدنية والدرك لم يتدخلوا لاقتفاء أثر الراعي إلا بعدمرور ستة ايام عن معرفتهم باختفائه. وما زاد من غضبنا جميعا هو استعمال الرجال لتجهيزات بدائية لا تليق بمغرب محمد السادس، وكأننا لا نخصص الملايير كل عام لهذه المواقف واشياء وأخرى.

نحن نؤمن بأن موت الراعي كان قضاء وقدرا، ولكن الصور التي تابعها الناس على مواقع التواصل الاجتماعي لعناصر الوقاية المدنية وهم يبعدون الثلج بالعصي إهانة لسمعة المغرب، ويجعل الجهاز بكامله مسؤولا عن هذه المأساة، ومآس أخرى ستحدث في أقاليم أخرى إذا كان جهاز الوقاية المدنية فيها بمثل هذا التقصير الذي أبان عنه نظراؤهم في إقليم تازة.

حين سمعت الخبر أول مرة كتبتُ تدوينة غاضبة تناقلتها أغلب الصفحات قارنت فيها بين مواطن مغربي ضاع في بلده ولم يبحث عنه أحد، وسائحة سويسرية  تجنّدت لها كل السلطات بما لها من سلطات من أجل إيجادها.

مات حميد بعلي، لكن قضيته لا ينبغي لها أن تموت. يجب أن يكون موته فاصلا بين مرحلتين، بين مرحلة كان فيها المغاربة يصبرون على البرد والعطش والفقر والعزلة، وينتظرون هبة من المسؤولين… وبين مرحلة لن يستجدي المغربي شيئا من المسؤولين، ولن يتسول بطانية أو سكرا أوقبرا ليسكن فيه… بل سيأخذ حقوقه. من حق حميد وأمثاله على الحكومة أن توفر لهم سكنا لائقا وعملا شريعا وحياة كريمة، وإلا عليها أن ترحل، وإذا حدثت مصائب بسبب تقصيرها فعليها قبل الرحيل أن تتحاسب.

حميد، أيها الراعي ذو القلب الأبيض بياض الثلج الذي دفنتك الحكومة فيه، نم بسلام. قسماً بالله سيدفع المسؤولون الثمن قريبا جدا. وربما في عزّ الخريف سينفجر الربيع

Facebook: Achraf Ben Jilali

Email       : [email protected]

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

95 requêtes en 1.677 secondes
‪‬‏